Sitemap: http://example.com/sitemap_location.xml https://alnukhbhtattalak.blogspot.com/2017/09/blog-post_76.html/

صفة صلاة النبي{ص}تحقيق الشيخ الألباني

صفة صلاة النبي{ص}تحقيق الشيخ الألباني

https://alnukhbhtattalak.blogspot.com/ صفة صلاة النبي{ص}

ياربي العفو والعافية في الدارين


مستطيل م اسماء صلاح

مدونة اسماء صلاح التعليمية 3 ثانوي https://3thnweyadbyandelmy.blogspot.com/2017/09/3_93.html

الخميس، 18 أبريل 2019

4 غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم وسراياه

64
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحديبية. خرج للعمرة في ذي القعدة سنة ست من مهاجره. قالوا: استنفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه إلى العمرة فأسرعوا وتهيأوا ودخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيته فاغتسل ولبس ثوبين وركب راحلته القصواء وخرج، وذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، واستخل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ولم يخرج معه بسلاح إلا السيوف في القرب وساق بدناً وساق أصحابه أيضاً بدناً، فصلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بالبدن التي ساق فجللت ثم أشعرها في الشق الأيمن وقلدها وأشعر أصحابه أيضاً وهن موجهات إلى القبلة، وهي سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل الذي غنمه يوم بدر، وأحرم ولبى وقدم عباد بن بشر أمامه طليعةً في عشرين فرساً من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج مع من المسلمين ألف وستمئة، ويقال ألف وأربعمئة. ويقال ألف وخمسمئة وعشرون رجلاً، وأخرج معه زوجته أم سلمة، رضي الله عنها، وبلغ المشركين خروجه فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام وعسكروا ببلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، وعليهم خالد بن الوليد، ويقال عكرمة بن أبي جهل، ودخل بسر بن سفيان الخزاعي مكة فسمع كلامهم وعرف رأيهم فرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلقيه بغدير الأشطاط وراء عسفان فأخبره بذلك. ودنا خالد ابن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عباد بن بشر فتقدم في خيله فأقام بإزائه وصف أصحابه وحانت صلاة الظهر وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأصحابه صلاة الخوف؛ فلما أمسى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: تيامنوا في هذا العصل فإن عيون قريش بمر الظهران وبضجنان؛ فسار حتى دنا من الحديبية، وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، فوقعت يدا راحلته على ثنة تهبطه على غائط القوم فبركت؛ فقال المسلمون: حل حل ! يزجرونها، فأبت أن تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إنها ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني اليوم خطةً فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فقامت فولى راجعاً عوده على بدئه حتى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبية ظنون قليل الماء، فانتزع سهماً من كنانته فأمر به فغرز فيها فجاشت لهم بالرواء حتى اغترفوا بآنيتهم جلوساً على شفير البئر. ومطر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية مراراً وكرت المياه. وجاءه بديل بن ورقاء وركب من خزاعة فسلموا عليه، وقال بديل: جئناك من عند قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم معهم العوذ والمطافيل والنساء والصبيان يقسمون بالله لا يخلون بينك وبني البيت حتى تبيد خضراؤهم؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ! فرجع بديل فأخبر بذلك قريشاً فبعثوا عروة ابن مسعود الثقفي فكلمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنحو مما كلم به بديلاً فانصرف إلى قريش فأخبرهم، فقالوا: نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت. ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف فكلمه بنحو مما كلم به صاحبيه فرجع إلى قريش فأخبرهم، فبعثوا الحليس بن علقمة، وهو يومئذ سيد الأحابيش وكان يتأله، فلما رأى الهدي عليه القلائد قد أكل أوباره من طول الحبس رجع ولم يصل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إعظاماً لما رأى، فقال لقريش: والله لتخلن بينه وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش ! قالوا: فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. وكان أول من بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى قريش خراش بن أمية الكعبي ليخبرهم ما جاء له، فعقروا به وأرادوا قتله فمنعه من هناك من قومه، فأرسل عثمان بن عفان فقال: اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زواراً لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم فقالوا: لا كان هذا أبداً ولا يدخلها علينا العام ! وبلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عثمان قد قتل، فذلك حيث دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وبايع لعثمان، رضي الله عنه، فضرب بشماله على يمينه لعثمان، رضي الله عنه، وقال:
إنه ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. وجعلت الرسل تختلف بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش فأجمعوا على الصلح والموادعة فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة من رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةً مكفوفةً، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحبه ويدخل علينا قابلاً في أصحابه فيقيم بها ثلاثاً، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وحويطب ابن عبد العزى ومكز بن حفص بن الأخيف. وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو. وخرج أبو جندل بن سهيل بن عمرو من مكة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرسف في الحديد فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فرده إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا جندل، قد تم الصلح بيننا وبين القوم، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً. ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها؛ فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هديه وحلق حلقه خراش بن أمية الكعبي ونحر أصحابه وحلق عامتهم وقصر الآخرون. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين ! قالها ثلاثاً ! قيل: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: والمقصرين. وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية بضعة عشر يوماً، ويقال عشرين يوماً، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا بضجنان نزل عليه: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ فقال جبريل، عليه السلام: يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون. ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. وجعلت الرسل تختلف بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش فأجمعوا على الصلح والموادعة فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة من رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةً مكفوفةً، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحبه ويدخل علينا قابلاً في أصحابه فيقيم بها ثلاثاً، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وحويطب ابن عبد العزى ومكز بن حفص بن الأخيف. وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو. وخرج أبو جندل بن سهيل بن عمرو من مكة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرسف في الحديد فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فرده إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا جندل، قد تم الصلح بيننا وبين القوم، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً. ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها؛ فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هديه وحلق حلقه خراش بن أمية الكعبي ونحر أصحابه وحلق عامتهم وقصر الآخرون. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين ! قالها ثلاثاً ! قيل: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: والمقصرين. وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية بضعة عشر يوماً، ويقال عشرين يوماً، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا بضجنان نزل عليه: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ فقال جبريل، عليه السلام: يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة.
أخبرنا سليمان بن داود أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة، أخبرني عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان قد شهد بيعة الرضوان قال: كنا يومئذ ألفاً وثلاثمائة وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين.
أخبرنا سليمان بن داود الطيالسي قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله: كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال: كنا ألفاً وخمسمئة، وذكر عطشاً أصابهم قال: فأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بماء في تور فوضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنها العيون. قال: فشربنا ووسعنا وكفانا. قال: قلت كم كنتم ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا ! كنا ألفاً وخمسمئة ! وأخبرنا موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي، أخبرنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاةً ما ترويها، قال: فقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جباها فإما دعا وإما بزق، قال: فجاشت، قال: فسقينا واستقينا.
أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن طارق قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد ؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان؛ فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال: حدثني أبي أنه كان في من بايع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إن كان أصحابنا محمد لم يعلموها وعملتموها أنتم فأنتم أعلم.
أخبرنا قبيصة بن عقبة ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن طارق بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن المسيب فتذاكروا الشجرة فضحك ثم قال: حدثني أبي أنه كان ذلك العام معهم وأنه قد شهدها فنسوها من العام المقبل.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن زياد بن الجصاص عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال عبد الوهاب: وأخبرني سعيد عن قتادة عن عبد الله بن مغفل قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة يبايع الناس وأبي رافع أغصانها عن رأسه.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب وأحمد بن إسحاق الحضرمي قالا: أخبرنا يزيد بن بزيع عن خالد الحذاء عن الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار قال: كنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية وكان يبايع الناس وأنا أرفع بيدي غصناً من أغصان الشجرة عن رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبايعهم على أن لا يفروا ولم يبايعهم على الموت، فقلنا لمعقل: كم كنتم يومئذ ؟ قال: ألفاً وأربعمائة رجل.
أخبرنا المعلى بن أسد، أخبرنا وهيب عن خالد الحذاء عن الحكم ابن الأعرج عن معقل بن يسار: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يبايع الناس عام الحديبية تحت الشجرة ومعقل بن يسار رافع غصناً من أغصان الشجرة بيده عن رأسه، فبايعهم يومئذ على أن لا يفروا، قال: قلنا كم كنتم ؟ قال: ألفاً وأربعمائة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا عبد الله بن عون عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها؛ قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.
أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: إن أول من بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي.
قال محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا وهل، أبو سنان الأسدي قتل في حصار بني قريظة قبل الحديبية، والذي بايعه يوم الحديبية سنان بن سنان الأسدي.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية ؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه تحت الشجرة، وهي سمرة، وعمر آخذ بيده غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره، وسألته: كيف بايعوه ؟ قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت، وسألته: هل بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بذي الحليفة ؟ فقال: لا ولكن صلى بها ولم يبايع عند الشجرة إلا الشجرة التي بالحديبية، ودعا النبي، صلى الله عليه وسلم، على بئر الحديبية وأنهم نحروا سبعين بدنة، بين كل سبعة منهم بدنة.
قال جابر: وأخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول عند حفصة: لا يدخل النار، إن شاء الله، أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها. قالت حفصة: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: قال الله: " ثُمّ نُنَجّي الّذينَ اتّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً " .
وأخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: صالح النبي، صلى الله عليه وسلم، المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين يرد إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم، وعلى أن يدخلها من قابل فيقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه، فجاء أبو جندل يحجل في قيده فرده إليهم.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: لما كتب النبي، صلى الله عليه وسلم، الكتاب الذي بينه وبين أهل مكة يوم الحديبية قال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم؛ قالوا: أما الله فنعرفه وأما الرحمن الرحيم فلا نعرفه؛ قال: فكتبوا باسمك اللهم؛ قال: وكتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أسفل الكتاب: ولنا عليكم مثل الذي لكم علينا.
أخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لقد صالح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئاً لو أن نبي الله أمر على أميراً فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت له ولا أطعت، وكان الذي جعل لهم أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردوه ومن لحق بالكفار لم يردوه.
أخبرنا أبو سهل نصر بن باب عن الحجاج عن أبي إسحاق عن البراء ابن عازب أنه قال: اشترط أهل مكة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الحديبية ألا يدخل أحد من أصحابه مكة بسلاح إلا سلاحاً في قراب.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: اشترط المشركون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية ألا يدخلها بسلاح، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إلا جلبان السلاح؛ قال: وهو القراب وما فيه السيف والقوس.
وأخبرنا محمد بن حميد العبدي عم معمر عن قتادة قال: لما كان سفر الحديبية صد المشركون النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه عن البيت فقاضوا المشركين يومئذ قضية أن لهم أن يعتمروا العام المقبل في هذا الشهر الذي صدوهم فيه، فجعل الله شهراً حراماً يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا فيه، فذلك قوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أبا سفيان بن حرب قال: حين قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة عام الحديبية كان بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد أن لا يلج علينا بسلاح ولا يقيم بمكة إلا ثلاث ليال، ومن خرج منا إليكم رددتموه علينا ومن أتانا منكم رددناه إليكم.
أخبرنا أبو معاوية الضرير ومحمد بن عبيد قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: نجر النبي، صلى الله عليه وسلم، سبعين بدنةً عام الحديبية، البدنة عن سبعة، وزاد محمد بن عبيد في حديثه: وكنا يومئذ ألفاً وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى.
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل، وكان في بدنه جمل أبي جهل فنزل بالحديبية فصالحته قريش على أن هذا الهدي محله حيث حبسناه.
أخبرنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن عبد الله قال: نحر أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعة سبعة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر بن سليمان ابن قيس عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، وقال لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليشترك منكم النفر الهدي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، عن كل سبعة بدنةً.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، خرج يوم الحديبية فرأى رجالاً من أصحابه قد قصروا فقال: يغفر الله للمحلقين؛ قالوا: يا رسول الله وللمقصرين ؟ قال ذلك ثلاثاً وأجابوه بمثل ذلك، فقال عند الرابعة: وللمقصرين.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى أصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان بن عفان وأبي قتادة الأنصاري، فاستغفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب. أخبرنا أوس بن عبيد الله النصري، أخبرنا بريد بن أبي مريم عن أبيه مالك بن ربيعة: أنه سمع النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم اغفر للمحلقين؛ فقال رجل: وللمقصرين ؟ فقال في الثالثة أو في الرابعة: وللمقصرين قال: وأنا محلوق يومئذ فما سرني حمر النعم أو خطر عظيم.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع بن يعقوب عن أبيه أنه قال: لما صدر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وحلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله ريحاً عاصفاً فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم.
حدثنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن ليث عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ قال: نزلت عام الحديبية.
أخبرنا الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ إنا قضينا لك قضاء مبيناً، فنحر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية وحلق رأسه.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شعبة عن قتادة سمعت أنس ابن مالك يقول: نزلت هذه الآية حين رجع النبي، صلى الله عليه وسلم، من الحديبية: " إنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبيناً ليَغْفرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ منْ ذَنْبكَ وَمَا تَأخّرَ " .
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري عن داود عن الشعبي قال: الهجرة ما بين الحديبية إلى الفتح والحديبية هي الفتح.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب، أخبرنا مجمد بن يعقوب، حدثني أبي عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن مجمع بن جارية قال: شهدت الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يوجفون الأباعر، قال: فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس ؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واقفاً عند كراع الغميم، فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: " إنّا فَتَحنَا لكَ فَتحاً مُبيناً " ؛ قال: قال رجل من أصحاب محمد يا رسول الله أو فتح هو ؟ قال: إي والذي نفسي بيده إنه لفتح ! قال: ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية على ثمانية عشر سهماً وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وكان للفارس سهمان.
أخبرنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: قال البراء: أما نحن فنسمي الذين يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان.
أخبرنا علي بن محمد عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة واختلفوا فيها؛ قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.
أخبرنا عبد الله بن الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا خالد الحذاء، أخبرني أبو المليح عن أبيه قال: أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل أسافل نعالنا فنادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن صلوا في رحالكم.
47
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره، وهي على ثمانية برد من المدينة. قالوا: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه بالتهيؤ لغزوة خيبر ويجلب من حوله يغزون معه فقال: لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد، وشق ذلك على من بقي بالمدينة من اليهود فخرج، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وأخرج معه أم سلمة زوجته، فلما نزل بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، وأصبحوا وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحي والكرازين والمكاتل، فلما نظروا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: محمد والخميس! يعنون بالخميس الجيش، فولوا هاربين إلى حصونهم وجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: الله أكبر خربت خيبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! ووعظ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس وفرق فيهم الرايات ولم يكن الرايات إلا يوم خيبر إنما كانت الألوية فكانت راية النبي، صلى الله عليه وسلم، السوداء من برد لعائشة تدعى العقاب ولواؤه أبيض ودفعه إلى علي بن أبي طالب، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم: يا منصور أمت ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المشكرين، قاتلوه أشد القتال وقتلوا من أصحابه عدةً وقتل منهم جماعة كثيرة، وفتحها حصناً حصناً، وهي حصون ذوات عدد منه النطاة ومنها حصن الصعب بن معاذ وحصن ناعم وحصن قلعة الزبير والشق، وبه حصون منها حصن أبي وحصن النزار، وحصون الكتيبة منها القموص والوطيح وسلالم، وهو حصن بني أبي الحقيق، وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك الجمل، وكانوا قد غيبوه في خربة فدل الله رسوله عليه فاستخرجه وقتل منهم ثلاثةً وتسعين رجلاً من يهود، منه الحارث أبو زينب ومرحب وأسير وياسر وعامر وكنانة بن أبي الحقيق وأخوه، وإنما ذكرنا هؤلاء وسميناهم لشرفهم، واستشهد من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، بخيبر ربيعة بن أكثم وثقف بن عمرو بن سميط ورفاعة بن مسروح، وعبد الله بن أمية بن وهب حليف لبني أسد بن عبد العزى، ومحمود بن مسلمة، وأبو ضياح بن النعمان من أهل بدر، والحارث بن حاطب من أهل بدر، وعدي بن مرة بن سراقة وأوس بن حبيب وأنيف بن وائل ومسعود ابن سعد بن قيس، وبشر بن البراء بن معرور مات من الشاة المسمومة، وفضيل بن النعمان، وعامر بن الأكوع أصاب نفسه فدفن هو ومحمود بن مسلمة في غار واحد بالرجيع بخيبر، وعمارة بن عقبة بن عباد بن مليل، ويسار العبد الأسود ورجل من أشجع، فجميعهم خمسة عشر رجلاً، وفي هذه الغزاة سمت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهدت له شاة مسمومة فأكل منها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وناس من أصحابه فيهم بشر بن البراء بن معرور فمات منها، فيقال إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتلها وهو الثبت عندنا، وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالغنائم فجمعت واستعمل عليها فروة ابن عمرو البياضي ثم أمر بذلك فجزىء خمسة أجزاء وكتب في سهم منها لله وسائر السهمان أغفال، وكان أول ما خرج سهم النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يتخير في الأخماس فأمر ببيع الأربعة الأخماس في من يزيد فباعها فروة وقسم ذلك بين أصحابه. وكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ثابت فأحصاهم ألفاً وأربعمائة والخيل مئتي فرس، وكانت السهمان على ثمانية عشر سهماً لكل مائة رأس وللخيل أربعمائة سهم، وكان الخمس الذي صار إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعطى منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة، وأعطى منه أهل بيته ورجالاً من بني عبد المطلب ونساء واليتيم والسائل، وأطعم من الكتيبة نساءه وبني عبد المطلب وغيرهم، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة وقدم الطفيل بن عمرو وقدم الأشعريون ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخيبر فلحقوه بها فكلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه فهيم أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا، وقدم جعفر بن أبي طالب وأهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما أدري بأيهما أنا أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر ؟ وكانت صفية بنت حيي ممن سبى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخيبر فأعتقها وتزوجها. وقدم الحجاج بن علاط
السلمي على قريش بمكة فأخبرهم أن محمداً قد أسرته يهود وتفرق أصحابه وقتلوا، وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحجاج دينه وخرج سريعاً فلقيه العباس بن عبد المطلب فأخبره خبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حقه وسأله أن يكتم عليه حتى يخرج، ففعل العباس، فلما خرج الحجاج أعلن بذلك العباس وأظهر السرور وأعتق غلاماً يقال له أبو زبيبة.لمي على قريش بمكة فأخبرهم أن محمداً قد أسرته يهود وتفرق أصحابه وقتلوا، وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحجاج دينه وخرج سريعاً فلقيه العباس بن عبد المطلب فأخبره خبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حقه وسأله أن يكتم عليه حتى يخرج، ففعل العباس، فلما خرج الحجاج أعلن بذلك العباس وأظهر السرور وأعتق غلاماً يقال له أبو زبيبة.
أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر لثماني عشرة مضت من شهر رمضان، فصام طوائف من الناس وأفطر آخرون، فلم يعب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حميد الطويل عن أنس قال: انتهينا إلى خير ليلاً، فلما أصبحنا وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الغداة ركب وركب المسلمون معه فخرج وخرج أهل خيبر حين أصبحوا بمساحيهم ومكاتلهم كما كانوا في أرضيهم، فلما رأوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: محمد والله ! محمد والجيش ! ثم رجعوا هراباً إلى مدينتهم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! قال أنس: وأنا رديف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ابن مالك عن أبي طلحة قال: لما صبح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه الجيش نكصوا مدبرين فقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم: الله أكبر الله أكبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت عن أنس قال: كنت رديف أبي طلحة يوم خيبر وقدمي تمس قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم وكماتلهم ومرورهم وقالوا: محمد والخميس ! قال: وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الله أكبر الله أكبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! قال: فهزمهم الله.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى الصبح بغلس وهو قريب من خيبر ثم أغار عليهم فقال: الله أكبر خربت خيبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! فدخل عليهم فخرجوا يسعون في السكك ويقولون: محمد والخميس ! محمد والخميس ! قال: فقتل المقاتلة وسبى الذرية.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر قال: وأظنه عن نافع عن ابن عمر، قال: أتى رسول الله، عليه السلام، أهل خيبر عند الفجر فقاتلهم حتى أجلأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والنخل، فصالح
48
ثم سرية عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى تربة
في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلاً إلى عجز هوازن بتربة، وهي بناحية العبلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران، فخرج وخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الحبر هوازن فهربوا، وجاء عمر بن الخطاب محالهم فلم يلق منهم أحداً فانصرف راجعاً إلى المدينة
49
ثم سرية أبي بكر الصديق إلى بني كلاب بنجد ناحية ضربة
في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله،صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: غزوة مع أبي بكر إذ بعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، علينا فسبى ناساً من المشركين فقتلناهم، فكان شعارنا: أمت أمت ! قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا بكر إلى فزارة وخرجت معه حتى إذا ما دنونا من الماء عرس أبو بكر، حتى إذا ما صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل ونن معه؛ قال سلمة: فرأيت عنقاً من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فزارة فيهم عليها قشع من أدم، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت أسوقهم إلى أبي بكر فنفلني أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوباً حتى قدمت المدينة، ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوباً حتى لقيني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة ! فقلت: يا نبي الله! والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً ! فكست حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في السوق ولم أكشف لها ثوباً فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك ! قال: فقلت هي لك يا رسول الله ! قال: فبعث بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أهل مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.
50
ثم سرية بشير بن سعد إلى فدك في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشير بن سعد في ثلاثين رجلاً إلى بني مرة بفدك، فخرج يلقى رعاء الشاء، فسأل عن الناس فقيل في بواديهم، فاستاق النعم والشاء وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه الدهم منهم عند الليل، فأتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا، فحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه فقيل قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم قدم من بعده بشير بن سعد.
51
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة في شهر رمضان سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غالب بن عبد الله إلى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة، وهم بالميفعة، وهي وراء بطن نخل إلى النفرة قليلاً بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد، بعثه في مائة وثلاثين رجلاً ودليلهم يسار مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهجموا عليهم جميعاً ووقعوا وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا نعماً وشاءً فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحداً، وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ألا شققت قلبه فتعلم صادق هو أم كاذب ؟ فقال أسامة: لا أقاتل أحداً يشهد أن لا إله إلا الله.
52
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار في شوال سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن جمعاً من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشير بن سعد فعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا إلى يمن وجبار وهي نحو الجناب، والجناب يعارض سلاح وخيبر وواوي القرى، فنزلوا بسلاح ثم دنوا من القوم فأصابوا لهم نعماً كثيراً وتفرق الرعاء، فحذروا الجمع فتفرقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم فيجدها وليس فيها أحد، فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلما فأرسلهما.
53
ثم عمرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القضية في ذي القعدة سنة سبع من مهاجره. قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يعتمروا قضاءً لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد إلا رجال استشهدوا منهم بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوم من المسلمين عماراً فكانوا في عمرة القضية ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري وساق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ستين بدنةً وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، وحمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السلاح البيض والدروع والرماح وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير ابن سعد، وأحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من باب المسجد ولبى والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران فوجد بها نفراً من قريش فسألوه فقال: هذا رسول اله، صلى الله عليه وسلم، يصبح هذا المنزل غداً إن شاء الله؛ فأتوا قريشاً فأخبروهم ففزعوا ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائة رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وخلوا مكة، فقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الهدي أمامه فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على راحلته القصواء والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبون فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته، فلم يزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطجعاً بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطجعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول:
خلّوا بني الكفّار عن سبيله ! ... خلّوا فكلّ الخير مع رسوله !
نحن ضربناكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله،
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله !
يا رب إنّي مؤمن بقله !
فقال عمر: يا ابن رواحة إيهاً ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا عمر إني أسمع ! فأسكت عمر وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إيها يا ابن رواحة ! قال: قل لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده؛ قال فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قال. ثم طاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة قال: هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر؛ فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ناساً منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا، ثم دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكعبة فلم يزل فيها إلى الظهر ثم أمر بلالاً فأذن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة ثلاثاً وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، فلما كان عند ظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب ابن عبد العزى فقالا: قد انقضى أجلك فاخرج عنا ! وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم ينزل بيتاً بل ضربت له قبة من أدم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها وأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة وأم عمارة سلمى بنت عميس، وهي أم عبد الله بن شداد بن الهاد، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة أيهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجعفر من أجل أن خالتها عنده أسماء بنت عميس، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نزل سرف وتتام الناس إليه. وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى فحمل إليه ميمونة بنت الحارث فبنى عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زياد وأخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا حماد بن سلمة جميعاً عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قدموا مكة يعني في القضية، فقال المشركون من قريش: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتكم حمى يثرب، قال: وقعدوا مما يلي الحجر فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قوتهم، وأن يمشوا ما بين الركنين.
قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتم.
54
ثم عمرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القضية في ذي القعدة سنة سبع من مهاجره. قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يعتمروا قضاءً لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد إلا رجال استشهدوا منهم بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوم من المسلمين عماراً فكانوا في عمرة القضية ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري وساق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ستين بدنةً وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، وحمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السلاح البيض والدروع والرماح وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير ابن سعد، وأحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من باب المسجد ولبى والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران فوجد بها نفراً من قريش فسألوه فقال: هذا رسول اله، صلى الله عليه وسلم، يصبح هذا المنزل غداً إن شاء الله؛ فأتوا قريشاً فأخبروهم ففزعوا ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائة رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وخلوا مكة، فقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الهدي أمامه فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على راحلته القصواء والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبون فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته، فلم يزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطجعاً بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطجعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول:
خلّوا بني الكفّار عن سبيله ! ... خلّوا فكلّ الخير مع رسوله !
نحن ضربناكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله،
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله !
يا رب إنّي مؤمن بقله !
فقال عمر: يا ابن رواحة إيهاً ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا عمر إني أسمع ! فأسكت عمر وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إيها يا ابن رواحة ! قال: قل لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده؛ قال فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قال. ثم طاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة قال: هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر؛ فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ناساً منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا، ثم دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكعبة فلم يزل فيها إلى الظهر ثم أمر بلالاً فأذن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة ثلاثاً وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، فلما كان عند ظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب ابن عبد العزى فقالا: قد انقضى أجلك فاخرج عنا ! وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم ينزل بيتاً بل ضربت له قبة من أدم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها وأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة وأم عمارة سلمى بنت عميس، وهي أم عبد الله بن شداد بن الهاد، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة أيهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجعفر من أجل أن خالتها عنده أسماء بنت عميس، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نزل سرف وتتام الناس إليه. وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى فحمل إليه ميمونة بنت الحارث فبنى عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زياد وأخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا حماد بن سلمة جميعاً عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قدموا مكة يعني في القضية، فقال المشركون من قريش: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتكم حمى يثرب، قال: وقعدوا مما يلي الحجر فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قوتهم، وأن يمشوا ما بين الركنين.
قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتم
55
ثم سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم
في ذي الحجة سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلاً إلى بني سليم، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معه فحذرهم فجمعوا فأتاهم ابن أبي العوجاء، وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحاً مع القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان.
56
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد
في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهني عن جندب بن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غالب بن عبد الله الليثي ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية، فكتب فيهم وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، وهم من بني ليث، قال: فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام وإنما خرجت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قلنا: إن تكن مسلماً لم يضررك رباطنا يوماً وليلةً، وإن تكن على غير ذلك نستوثق منك. قال: فشددناه وثاقاً وخلفنا عليه رويجلاً منا أسود فقال: إن نازعك فاحتز رأسه ! فسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئةً لهم فخرجت حتى أتيت تلاً مشرفاً على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا أسندت عليهم فيه علوت على رأسه ثم اضطجعت عليه قال: فإني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال لامرأته: إني أرى على هذا الجبل سواداً ما رأيته أول من يومي هذا فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئاً. قال: فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتي شيئاً. قال: فناوليني قوسي ونبلي، فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهماً فوالله ما أخطأ بين عيني، قال: فانتزعته وثبت مكاني ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته وثبت مكاني، فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئةً لقد تحركت بعد ! والله لقد خالطها سهماي لا أبا لك ! فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب، قال: ثم دخل وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا فناموا شننا عليهم الغارة واستقنا النعم. قال: فخرج صريخ القوم في قومهم فجاء ما لا قبل لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، فأدركنا القوم حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلا الوادي ونحن موجهون في ناحية الوادي إذ جاء الله بالوادي من حيث شاء يملأ جنبتيه ماء، والله ما رأينا يومئذ سحاباً ولا مطراً فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفاً ينظرون إلينا وقد أسندناها في المسيل، هكذا قال، وأما في رواية محمد بن عمر قال: أسندناها في المشلل نحدرها وفتناهم فوتاً لا يقدرون فيه على طلبنا، قال: فما أنسى قول راجز من المسلمين وهو يقول:
أبى أبو القاسم أن تعزّبي ... في خضلٍ نباته مغلولب
صفرٍ أعاليه كلون المذهب
وزاد محمد بن عمر في روايته:
وذاك قول صادقٍ لم يكذب
قال: فكانوا بضعة عشر رجلاً، قال عبد الوارث: وحدثني هذا الحرف رجل عن محمد بن إسحاق أنه حدثه رجل من أسلم أنه كان شعارهم يومئذ: أمت أمت.
سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضاً إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال: هيأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الزبير بن العوام وقال: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم. وهيأ مع مائتي رجل وعقد له لواءً، فقدم غالب بن عبد الله الليثي من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للزبير: اجلس ! وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير وخرج معه علبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نعماً وقتلوا منهم قتلى.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أفلح بن سعيد عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد قال: خرج مع غالب في هذه السرية عقبة بن عمرو أبو مسعود وكعب بن عجرة وأسامة بن زيد الحارثي.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حويصة عن أبيه قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا، أمرنا ألا نفترق وواخى بيننا فقال: لا تعصوني فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم، قال: فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري، قال: فأصبنا القوم.
57
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هوازن بالسي ناحية ركبة من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون، فأصابوا نعماً كثيراً وشاءً واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة واقتسموا الغنيمة، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيراً وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلةً.
58
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، وهي من وراء وادي القرى، في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كعب بن عمير الغفاري في خمس عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشأم فوجدوا جمعً من جمعهم كثير، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
59
ثم سرية مؤتة، وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق، في جمادى الأولى سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل ابن عمرو الغساني فقتله ولم يقتل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لواءً أبيض ودفعه غل زيد بن حارثة وأوصاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم، وخرج مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم. فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين ! فقال ابن رواحة عند ذلك:
لكنّني أسأل الرّحمن مغفرةً ... وضربةً ذات فرغٍ تقذف الزّبدا
قال: فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشأم وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة عن المضي، فمضوا إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتى قتل طعناً بالرماح رحمه الله، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام وقاتل حتى قتل، رضي الله عنه، ضربه رجل من الروم فقطعه بنصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جرحاً ووجد فيما قيل من بدن جعفر اثنتان وسبعون ضربةً بسيف وطعنةً برمح، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل رحمه الله، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ اللواء وانكشف الناس فكانت الهزيمة، فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين ورفعت الأرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نظر إلى معترك القوم. فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس ! فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار ! أفررتم في سبيل الله ؟ فيقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله! أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سالم بن أبي الجعد عن أبي اليسر عن أبي عامر قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الشأم، فلما رجعت مررت على أصحابي وهم يقاتلون المشركين بمؤتة، قلت والله لا أبرح اليوم حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم، فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب ولبس السلاح، وقال غيره: أخذ زيد اللواء وكان رأس القوم ثم حمل جعفر حتى إذا هم أن يخالط العدو رجع فوحش بالسلاح ثم حمل على العدو وطاعن حتى قتل، ثم أخذ اللواء زيد بن حارثة وطاعن حتى قتل، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعاً، ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه ثم قال: إلي أيها الناس ! فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد فقال له خالد: لا آخذه منك أنت أحق به؛ فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك ! فأخذ خالد اللواء ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاؤوا وقال: فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فشق ذلك عليه فصلى الظهر ثم دخل، وكان إذا صلى الظهر قام فركع ركعتين ثم أقبل بوجهه على القوم فشق ذلك على الناس، ثم صلى العصر ففعل مثل ذلك، ثم صلى المغرب ففعل مثل ذلك، ثم صلى العتمة ففعل مثل ذلك، حتى إذا كان صلاة الصبح دخل المسجد ثم تبسم، وكان تلك الساعة لا يقوم إليه إنسان من ناحية المسجد حتى يصلي الغداة، فقال له القوم حين تبسم: يا نبي الله بأنفسنا أنت ! ما يعلم إلا الله ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذي رأينا ! قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كان الذي رأيتم مني أنه أحزنني قتل أصحابي حتى رأيتهم في الجنة إخواناً على سرر متقابلين ورأيت في بعضهم إعراضاً كأنه كره السيف ورأيت جعفراً ملكاً ذا جناحين مضرجاً بالدماء مصبوغ القوادم.
60
ثم سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن جمعاً من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن العاص فعقد له لواءً أبيض وجعل معه رايةً سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرساً، وأمره أن يستعين بمن يمر به من بلي وعذارة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواءً وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يحلق بعمرو وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا، فلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت علي مدداً وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وطىء بلاد بلي ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعاً فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا، ثم قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.
61
ثم سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح وكانت في رجب سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب، إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط وابتاع قيس بن سعد جزراً ونحرها لهم، وألقى لهم البحر حوتاً عظيماً فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيداً.
62
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد، في شعبان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غطفان وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط بهم فصرخ رجل منهم: يا خضرة ! وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة وسبوا سبياً كثيراً، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه وقسموا ما بقي على أهل السرية فأصاب كل رجل منهم اثنا عشر بعيراً فعدل البعير بعشر من الغنم، وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوهبها له، فوهبها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمحميةً ابن جزء، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة.
63
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم في أول شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لما هم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بغزوة أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سريةً إلى بطن إضم، وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، توجه إلى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي، فمر عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه ووطب لبن كان معه؛ فلما لحقوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن: " يّا أيّهَا الّذينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَوةِ الدّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ " إلى آخر الآية فمضوا ولم يلحقوا جمعاً فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب فبلغهم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد توجه إلى مكة فأخذوا على بيبن حتى لقوا النبي، صلى الله عليه وسلم، بالسقيا
64
عام الفتح وغزوته
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحديبية كلمت بنو نفاثة، وهم من بني بكر، أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فوعدوهم ووافوهم بالوتير متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف، فبيتوا خزاعة ليلاً وهم غارون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلاً، ثم ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أن هذا نقض للمدة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً من خزاعة فقدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه، فقام وهو يجر رداءه وهو يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي ! وقال: إن هذا السحاب ليستهل بنضر بني كعب. وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى عليه فقام أبو سفيان فقال: إني قد أجرت بين الناس، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان ! ثم انصرف إلى مكة فتجهز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخفى أمره وأخذ بالأنقاب وقال: اللهم خذ على أبصارهم فلا يروني إلا بغتةً ! فلما أجمع المسير كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب والمقداد بن عمرو فأخذا رسوله وكتابه فجاءا به إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى من حوله من العرب فجلهم أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف. واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلما انتهى إلى الصلصل قدم أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين ونادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يفطر فليفطر ومن أحب أن يصوم فليصوم ! ثم سار، فلما كان بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم نزل مر الظهران عشاءً فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشاً مسيره وهم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم. فبعثوا أبا سفيان ابن حرب يتحسب الأخبار وقالوا: إن لقيت محمداً فخذ لنا منه أماناً. فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، فلما رأوا العسكر أفزعهم، وقد استعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلك الليلة على الحرس عمر بن الخطاب فسمع العباس بن عبد المطلب صوت أبي سفيان فقال: أبا حنظلة ؟ فقال: لبيك فما وراءك ؟ فقال: هذا رسول الله في عشرة آلاف، فأسلم ثكلتك أمك وعشيرتك ! فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلموا وجعل لأبي سفيان أن من دخل داره فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ! ثم دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة في كتبيته الخضراء وهو على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير وقد حبس أبو سفيان فرأى ما لا قبل له به فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ! فقال العباس: ويحك ! إنه ليس بملك ولكنها نبوة ! قال: فنعم. وكانت راية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذ مع سعد بن عبادة فبلغه عنه في قريش كلام وتواعد لهم، فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد، وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن عبادة أن يدخل من كداء والزبير من كدى وخالد بن الوليد من الليط، ودخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أذاخر ونهى عن القتال وأمر بقتل سنة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي مسرح ومقيس بن صبابة الليثي والحويرث بن نقيذ وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمي وهند بنت عتبة وسارة مولاة عمرو بن هاشم وفرتنا وقريبة، فقتل منهم ابن خطل والحويرث بن نقيذ ومقيس بن صبابة، وكل الجنود لم يلقوا جمعاً غير خالد لقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل في جمع من قريش بالخندمة، فمنعوه من الدخول وشهروا السلاح ورموا النبل فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين رجلاً من قريش وأربعة نفر من هذيل وانهزموا أقبح الانهزام. فلما ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم
على ثنية أذاخر رأى البارقة فقال: ألم أنه عن القتال ؟ فقيل: خالد قوتل فقاتل، فقال: قضاء الله خير. وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق أحدهما كرز بن جابر الفهري وخالد الأشقر الخزاعي، وضربت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبة من أدم بالحجون فمضى الزبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدخلها فقيل له: ألا تنزل منزلك ؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلاً ؟ ودخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة عنوةً فأسلم الناس طائعين وكارهين، وطاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً؛ فيقع الصنم لوجهه، وكان أعظمها هبل، وهو وجاه الكعبة، ثم جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين، ثم جلس ناحيةً من المسجد وأرسل بلالاً إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفتح الباب ودخل الكعبة فصلى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضادتي الباب والمفتاح معه، وقد لبط بالناس حول الكعبة، فخطب الناس يومئذ ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدةً خالدةً لا ينزعها منكم أحد إلا ظالم ! ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب وقال: أعطيتكم ما ترزأكم ولا ترزؤونها ! ثم بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ! يعني على الكفر. ووقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحزورة وقال: إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، يعني مكة، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. وبث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين. فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره. ولما كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد الظهر فقال: إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحل لي إلا ساعةً من نهر ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا يحل لنا من غنائمها شيء. وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين، ثم خرج إلى حنين، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.ى ثنية أذاخر رأى البارقة فقال: ألم أنه عن القتال ؟ فقيل: خالد قوتل فقاتل، فقال: قضاء الله خير. وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق أحدهما كرز بن جابر الفهري وخالد الأشقر الخزاعي، وضربت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبة من أدم بالحجون فمضى الزبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدخلها فقيل له: ألا تنزل منزلك ؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلاً ؟ ودخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة عنوةً فأسلم الناس طائعين وكارهين، وطاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً؛ فيقع الصنم لوجهه، وكان أعظمها هبل، وهو وجاه الكعبة، ثم جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين، ثم جلس ناحيةً من المسجد وأرسل بلالاً إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفتح الباب ودخل الكعبة فصلى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضادتي الباب والمفتاح معه، وقد لبط بالناس حول الكعبة، فخطب الناس يومئذ ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدةً خالدةً لا ينزعها منكم أحد إلا ظالم ! ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب وقال: أعطيتكم ما ترزأكم ولا ترزؤونها ! ثم بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ! يعني على الكفر. ووقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحزورة وقال: إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، يعني مكة، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. وبث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين. فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره. ولما كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد الظهر فقال: إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحل لي إلا ساعةً من نهر ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا يحل لنا من غنائمها شيء. وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين، ثم خرج إلى حنين، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.
وأخبرنا محمد بن عبي الطنافسي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عشر مضين من رمضان عام الفتح من المدينة فصام حتى إذا كان بالكديد أفطر فكانوا يرون أنه الآخر من أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس أخبره أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى إذا كان بالكديد واجتمع الناس إليه أخذ قعباً فشرب منه ثم قال: أيها الناس من قبل الرخصة فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد قبلها، ومن صام فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد صام؛ فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرون المحكم الناسخ.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه أخبره أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، وكان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أخبرنا عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: أذننا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لليلتين خلتا من شهر رمضان فخرجنا ونحن صوام حتى إذا بلغنا الكديد أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالفطر فأصبحنا شرجين منا الصائم ومنا الفطر حتى إذا بلغنا مر الظهران أعلمنا أنا نلقى العدو وأمرنا بالفطر.
وأخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا شعبة وأخبرنا مسلم بن إبراهيم عن هشام الدستوائي قالا: أخبرنا قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فتحنا مكة لثماني عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.
أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: أخبرنا شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: صام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة حتى أتى قديد فأتي بقدح من لبن فأفطر وأمر الناس أن يفطروا.
أخبرنا طلق بن غنام النخعي، أخبرنا عبد الرحمن بن جريس الجعفري، حدثني حماد عن إبراهيم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، افتتح مكة في عشر من رمضان وهو صائم مسافر مجاهد.
أخبرنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتح إلى مكة بثمانية آلاف أو عشرة آلاف وخرج من أهل مكة بألفين إلى حنين.
أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحفري عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: دخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة في عشرة آلاف.
أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أنه قال: غزونا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح ونحن ألف ونيف، يعني قومه مزينة، ففتح الله له مكة وحنيناً.
أخبرنا معن بن عيسى وشبابة بن سوار وموسى بن داود قالوا: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ثم نزعه؛ قال معن وموسى ابن داود في حديثهما: فجاء رجل فقال: يا رسول الله، ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اقتلوه ! قال معن في حديثه قال مالك: ولم يكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذ محرماً.
أخبرنا إسماعيل بن أبان الوراق، أخبرنا أبو أويس، حدثني الزهري أن أنس بن مالك حدثه أنه رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه عن رأسه أتاه رجل فقال: يا رسول الله، هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اقتلوه حيث وجدتموه ! أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان، يعني الثوري، عن ابن جريج عن رجل عن طاووس قال: لم يدخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة إلا محرماً إلا يوم الفتح دخل بغير إحرام.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن عمار الدهني عن أبي الزبير عن جابر قال: دخل النبي، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح وعليه عمامة سوداء.
حدثنا عفان بن مسلم وكثير بن هشام قالا: أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء.
أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلمن دخل يوم الفتح من أعلى مكة وخرج من أسفل مكة.
أخبرنا سويد بن سعيد قال: أخبرنا حفص بن ميسرة أبو عمر الصنعاني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل عام الفتح من كداء من الثنية التي بأعلى مكة.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري، أخبرنا يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي وشبابة بن سوار وهاشم بن القاسم أبو عمرو بن الهيثم أبو قطن، قالوا: أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة لأصحابه: إن هذا يوم قتال فأفطروا. قال شبابة: قال شعبة لم يسمع عمرو بن دينار من عبيد بن عمير إلا ثلاثة أحاديث.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا: لما كان يوم فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة كان عبد الله بن أم مكتوم بين يديه وبين الصفا والمروة وهو يقول:
يا حبّذا مكّة من وادي ! ... أرضٌ بها أهلي وعوّادي
أرضٌ بها أمشي بلا هادي ! ... أرضٌ بها ترسخ أوتادي
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل ابن أبي سرح يوم الفتح وفرتنا وابن الزبعرى وابن خطل، فأتاه أبو برزة وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه، وكان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله، فجاء عثمان وكان أخاه من الرضاعة فشفع له إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينتظر النبي متى يومىء إليه أني يقتله، فشفع له عثمان حتى تركه؛ ثم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للأنصاري: هلا وفيت بنذرك؟ فقال: يا رسول الله، وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى تومىء فأقتله ! فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: الإيماء خيانة ! ليس لنبي أن يومىء.
أخبرنا أحمد بن الحجاج الخراساني، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن بعض آل عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام قال عمر: قلت قد أمكن الله منهم أعرفهم بما صنعوا حتى قال النبي، صلى الله عليه وسلم، مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا تشريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. قال عمر: فانفضحت حياء من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كراهية لما كان مني، وقد قال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما قال.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب عن جابر: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخلها النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى محيت كل صورة فيها.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن الفضل: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، دخل البيت فكان يسبح ويكبر ويدعو ولا يركع.
أخبرنا خالد بن مخلد البجلي، أخبرنا سليمان بن بلال، حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عياش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جلس النبي، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح على درج الكعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال فيما تكلم به: لا هجرة بعد الفتح.
أخبرنا موسى بن داود بن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان يوم الفتح بمكة دخان، وهو قول الله عز وجل: " يَوْمَ تَأتي السّمَاءُ بدُخَانٍ مُبينٍ " .
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا شعبة عن أبي إياس قال: سمعت عبد الله بن المغفل قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة على ناقة وهو يسير ويقرأ سورة الفتح ويرجع ويقول: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع.
أخبرن هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو معشر عن العباس بن عبد الله بن معبد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الغد من يوم الفتح: أذهبوا عنكم عبية الجاهلية وفخرها بآبائها، الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب ! أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، أخبرنا إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب بن منبه، قال: سألت جابر بن عبد الله هل غنموا يوم الفتح شيئاً ؟ قال: لا.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال: شهدت مع النبي، صلى الله عليه وسلم، الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقصر حتى أتى مكة وأقمنا بها عشراً يقصر حتى رجع.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: أقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح بمكة خمس عشرة ليلةً يقصر الصلاة حتى سار إلى حنين.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا المسعودي عن الحكم: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج في رمضان من المدينة لست مضين فسار سبعاً يصلي ركعتين حتى قدم مكة فأقام بها نصف شهر يقصر الصلاة، ثم خرج لليلتين بقيتا من شهر رمضان إلى حنين.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام النبي، صلى الله عليه وسلم، بمكة بعد الفتح سبعة عشر يوماً يصلي ركعتين.
أخبرنا محمد بن حرب المكي، أخبرنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى بمكة عام الفتح خمس عشرة ليلةً يصلي ركعتين ركعتين.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال: أقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمن الفتح بمكة ثماني عشرة يصلي ركعتين ركعتين.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا وهيب، أخبرنا عمارة بن غزية، أخبرنا الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح فأقام خمس عشرة من بين يوم وليلة.
أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا الفرات بن سليمان عن عبد الكريم ابن مالك الجزري عن مجاهد عن مولاة لأم هانىء: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فتح مكة دعا بإناء فاغتسل ثم صلى أربع ركعات.
أخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا فليح بن سليمان: سمعت سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: أخبرني أبو مرة مولى أم هانىء أن أم هانىء أخبرته أنها دخلت منزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الفتح تكلمه في رجل تستأمن له قالت: فدخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد وقع الغبار على رأسه ولحيته فستر بثوب فاغتسل، ثم خالف بين طرفي ثوبه فصلى الضحى ثماني ركعات.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن أبي هند أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أن أم هانىء بنت أبي طالب حدثته أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،... لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما، فدخل علي عليها فقال: لأقتلنهما ؟ قالت: فلما سمعته يقول ذلك أتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو بأعلى مكة، فلما رآني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رحب بي وقال: ما جاء بك يا أم هانىء ؟ قلت: يا نبي الله كنت قد آمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قتلهما، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت ؟ ثم قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى غسله فسترته فاطمة بثوب ثم أخذ ثوبه فالتحف به ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى.
أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مرة المكي، حدثني سعيد بن سالم المكي عن رجل قد سماه قال: استعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على سوق مكة حين افتتحها سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية، فلما أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يخرج إلى الطائف خرج معه سعيد بن سعيد فاستشهد بالطائف.
أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مرة، حدثني مسلم بن خالد الزنجي عن أبي جريج قال: لما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الطائف في عام الفتح استخلف على مكة هبيرة بن شبل بن العجلان الثقفي، فلما رجع من الطائف وأراد الخروج إلى المدينة استعمل عتاب بن أسيد على مكة وعلى الحج سنة ثمان.
أخبرنا محمد بن عبيد، حدثني زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال: قال الحارث بن مالك بن برصاء: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الفتح يقول: لا تغزى بعدها إلى يوم القيامة.
65
ثم سرية خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فتح مكة خالد ابن الوليد إلى العزى ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارساً من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها ثم رجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: هل رأيت شيئاً ؟ قال: لا ! قال: فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها؛ فرجع خالد وهو متغيظ فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلا باثنين ورجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبداً ! وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظم أصنامهم وكان سدنتها بنو شيبان من بني سليم.
66
غزوة سواع
ثم سرية عمرو بن العاص إلى سواع في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، حين فتح مكة عمرو بن العاص إلى سواع، صنم هذيل، ليهدمه. قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد ؟ قلت: أمرني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك. قلت: لم ؟ قال: تمنع ! قلت: حتى الآن أنت في الباطل ! ويحك وهل يسمع أو يبصر ! قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم قلت للسادن: كيف رأيت ؟ قال: أسلمت لله.
67
غزوة مناه
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فتح مكة سعد ابن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن زيد الأشهلي يهدمها فخرج في عشرين فارساً حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال السادن: ما تريد ؟ قال: هدم مناة ! قال: أنت وذاك ! فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك ! ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئاً وانصرف راجعاً إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان.
68
ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل مكة على ليلة ناحية يلملم في شوال سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الغميصاء.
قالوا: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، مقيم بمكة بعثه إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم خالد فقال: ما أنتم ؟ قالوا: مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذنا فيها ! قال: فما بال السلاح عليكم ؟ فقالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوةً فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح ! قال: فضعوا السلاح ! قال: فوضعوه، فقال لهم: استأسروا، فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضاً وفرقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافه ! والمدافة الإجهاز عليه بالسيف، فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، ما صنع خالد فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ! وبعث علي بن أبي طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم ثم انصرف إلى رسول الله فأخبره.
أخبرنا العباس بن الفضل الأزرق البصري، أخبرنا خالد بن يزيد الجوني، أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبي حدود عن أبيه قال: كنت في الخيل التي أغارت مع خالد بن الوليد على بني جذيمة يوم الغميصاء، فلحقنا رجلاً منهم معه نسوة فجعل يقاتلنا عنهن ويقول:
رخين أذيال الحقاء وأربعن ... مشي حييّاتٍ كأن لم تفزعن
إن يمنع القوم ثلاثٌ تمنعن
قال: فقاتل ثلاثاً عنهن حتى أصعدهن الجبل.
قال: إذ لحقنا آخر معه نسوة قال فجعل يقاتل عنهن ويقول:
قد علمت بيضاء حمراء الإطل ... يحوزها ذو ثلّةٍ وذو إبل
لأغنينّ اليوم ما أغنى رجل
فقاتل عنهن حتى أصعدهن الجبل.
قال: إذ لحقنا آخر معه نسوة فجعل يقاتل عنهن ويقول:
قد علمت بيضاء تلهي العرسا ... لا تملأ اللجين منها نهسا
لأضربنّ اليوم ضرباً وعسا ... ضرب المذيدين المخاض القعسا
فقاتل عنهن حتى أصعدهن الجبل فقال خالد: لا تتبعوهم.
أخبرنا العباس بن الفضل، أخبرنا سفيان بن عيينة، حدثني عبد الملك ابن نوفل بن مساحق القرشي عن عبد الله بن عصام المزني عن أبيه قال: بعثنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بطن نخلة فقال: اقتلوا ما لم تسمعوا مؤذناً أو تروا مسجداً، إذ لحقنا رجلاً فقلنا له: كافر أو مسلم ؟ فقال: إن كنت كافراً فمه ! قلنا له: إن كنت كافراً قتلناك ! قال: دعوني أقض إلى النسوان حاجةً ! قال: إذ دنا إلى امرأة منهن فقال لها: اسلمي حبيش على نفد العيش !
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو أدركتكم بالخوانق
أما كان أهلاً أن ينوّل عاشقٌ ... تكلّف إدلاج السّرى والودائق ؟
فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرةٌ ... أثيبي بودّ قبل إحدى الصّفائق !
أثيبي بودّ قبل أن تشحط النوى ... وبنأى أميري بالحبيب المفارق
فقالت: نعم حييت عشراً وسبعاً وترا وثمانياً تترى ! قال: فقربناه فضربنا عنقه؛ قال: فجاءت فجعلت ترشفه حتى ماتت عليه ! وقال سفيان: وإذا امرأة كثيرة النحض، يعني اللحم.
69
غزوة حنين
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حنين وهي غزوة هوازن في شوال سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال.
قالوا: لما فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض وحشدوا وبغوا، وجمع أمرهم مالك بن عوف النصري، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوطاس، وجعلت الأمداد تأتيهم فأجمعوا المسير إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال في اثني عشر ألفاً من المسلمين: عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكة. فقال أبو بكر: لا نغلب اليوم من قلة ! وخرج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ناس من المشركين كثير، منهم صفوان بن أمية، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، استعار منه مائة درع بأداتها، فانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلثاء لعشر ليال خلون من شوال، فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب. ووجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فدخل عسكرهم فطاف به وجاء بخبرهم، فلما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين فأوعز إليهم أن يحملوا على محمد وأصحابه حملةً واحدةً، وعبأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه في السحر وصفهم صفوفاً ووضع الألوية والرايات في أهلها، مع المهاجرين لواء يحمله علي بن أبي طالب وراية يحملها سعد بن أبي وقاص وراية يحملها عمر بن الخطاب، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر، ويقال لواء الخزرج الآخر مع سعد بن عبادة ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية يحملها رجل منهم مسمى، وقبائل العرب فيهم الألوية والرايات يحملها قوم منهم مسمون. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد قدم سليماً من يوم خرج من مكة واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى ورد الجعرانة. وانحدر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في وادي الحنين على تعبئة وركب بغلته البيضاء دلدل ولبس درعين والمغفر والبيضة، فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملةً واحدةً وانكشفت الخيل خيل بني سليم موليةً وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين، فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله ! ورجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى العسكر وثاب إليه من انهزم وثبت معه يومئذ العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد في أناس من أهل بيته وأصحابه، وجعل يقول للعباس: ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة يا أصحاب سورة البقرة ! فنادى، وكان صيتاً، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك ! فحملوا على المشركين فأشرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حمي الوطيس ! أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب !
ثم قال للعباس بن عبد المطلب: ناولني حصيات، فناولته حصيات من الأرض ثم قال: شاهت الوجوه ! ورمى بها وجوه المشركين وقال: انهزموا ورب الكعبة ! وقذف الله في قلوبهم الرعب، وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يقتل من قدر عليه، فحنق المسلمون عليهم يقتلونهم حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنهى عن قتل الذرية، وكان سيماء الملائكة، يوم حنين، عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه. وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بطلب العدو فانتهى بعضهم إلى الطائف وبعضهم نحو نخلة وتوجه قوم منهم إلى أوطاس، فعقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي عامر الأشعري لواءً ووجهه في طلبهم، وكان معه سلمة بن الأكوع، فانتهى إلى عسكرهم فإذا هم ممتنعون فقتل مهم أبو عامر تسعةً مبارزة ثم برز له العاشر معلماً بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله، واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتح الله عليه وقتل قاتل أبي عامر، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة ! ودعا لأبي موسى أيضاً.
وقتل من المسلمين أيضاً أيمن بن عبيد بن زيد الخزرجي، وهو ابن أم أيمن أخو أسامة بن زيد لأمه، وسراقة بن الحارث ورقيم بن ثعلبة بن زيد بن لوذان، واستحر القتال في بني نصر بن معاوية ثم في بني رباب فقال عبد الله بن قيس وكان مسلماً: هلكت بنو رباب ! وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم اجبر مصيبتهم ! ووقف مالك بن عوف على ثنية من الثنايا حتى مضى ضعفاء أصحابه وتنام آخرهم ثم هرب فتحصن في قصر بلية، ويقال دخل حصن ثقيف، وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالسبي والغنائم تجمع، فجمع ذلك كله وحدروه إلى الجعرانة فوقف بها إلى أن انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الطائف وهم في حظائرهم يستظلون بها من الشمس، وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالسبي أن يقدم عليه وفدهم وبدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل؛ قال: ابني يزيد؛ قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل؛ قال: ابني معاوية؛ قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل. وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، وأعطى النصر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين بعيراً، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيراً، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل، وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعراً فأعطاه مائة من الإبل، ويقال خمسين، وأعطى ذلك كله من الخمس وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم ثم فضها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، فإن كان فارساً أخذ اثني عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له.
وقدم وفد هوازن على النبي، صلى الله عليه وسلم، وهم أربعة عشر رجلاً ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الرضاعة فسألوه أن يمن عليهم بالسبي فقال: أبناؤكم ونساؤكم أحبي إليكم أم أموالكم ؟ قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً. فقال: أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأسأل لكم الناس؛ فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا ! وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا ! وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا ! وقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال العباس بن مرداس: وهنتموني ! وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بسبيهم وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً، فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن أبى فليرد عليهم وليكن ذلك قرضاً علينا ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا. قالوا: رضينا وسلمنا، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم ولم يختلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزاً وصارت في يده منهم ثم ردها بعد ذلك.
وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد كسا السبي قبطيةً قبطية.
قالوا: فلما رأت الأنصار ما أعطى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في قريش والعرب تكلموا في ذلك فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ قالوا: رضينا يا رسول الله بك حظاً وقسماً ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ! وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ليلاً، فأحرم بعمرة ودخل مكة فطاف وسعى وحلق رأسه ورجع إلى الجعرانة من ليلته كبائت، ثم غدا يوم الخميس فانصرف إلى المدينة فسلك في وادي الجعرانة حتى خرج على سرف ثم أخذ الطريق إلى مر الظهران ثم إلى المدينة، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا الضحاك بن مخلد الشيباني أبو عاصم النبيل قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي وأخبرني عبد الله بن عباس عن أبيه: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتى هوازن في اثني عشر ألفاً، فقتل منهم مثل ما قتل من قريش يوم بدر وأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تراباً من البطحاء فرمى به وجوهنا فانهزمنا.
أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن الزهري عن كثير بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون فولى المسلمون يومئذ، فلقد رأيت رسول الله وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أخذ بغرز النبي، صلى الله عليه وسلم، والنبي ما يألو ما أسرع نحو المشركين، قال: فأتيته حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء فقال: يا عباس ناد يا أصحاب السمرة ! قال: وكنت رجلاً صيتاً فناديت بصوتي الأعلى أين أصحاب السمرة ؟ فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك ! وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون. ونادت الأنصار: يا معشر الأنصار ! مرتين، ثم قصرت الدعوى في بني الحارث بن الخزرج فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج ! فنظر النبي وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ بيده من الحصى فرماهم بها ثم قال: انهزموا ورب الكعبة ! قال: فوالله ما زال أمرهم مدبراً وحدهم كليلاً حتى هزمهم الله فكأني أنظر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يركض خلفهم على بغلة له.
قال الزهري: وأخبرني ابن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف من السبي فجاؤوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا نبي الله أنت خير الناس وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا ! فقال: إن عندي من ترون وإن خير القول أصدقه فاختاروا مني إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم؛ قالوا: ما كنا لنعدل بالأحساب شيئاً. فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، خطيباً فقال: إن هؤلاء قد جاؤوا مسلمين وإنا قد خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً فمن كان عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه؛ قالوا: يا نبي الله قد رضينا وسلمنا؛ قال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم يرفعون ذلك إلينا؛ فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله ! حان الرواح ؟ فقال: أجل، ثم قال: يا بلال ! فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك ! قال: أسرج لي فرسي، فأخرج سرجاً دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر. قال: فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله، قال: ثم اقتحم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن فرسه فأخذ كفاً من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه ! فهزمهم الله.
قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفوه تراباً، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد.
أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: أخبرنا همام، أخبرنا قتادة عن الحسن عن سمرة: أن يوم حنين كان يوماً مطيراً، قال: فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منادياً فنادى: إن الصلاة في الرحال.
أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا همام، أخبرنا قتادة وأخبرنا هاشم ابن القاسم، أخبرنا شعبة قال قتادة أخبرني عن أبي المليح عن أبيه قال: أصابنا مطر بحنين فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مناديه فنادى: إن الصلاة في الرحال.
وأخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرني عبد الرحمن المسعودي عن القاسم عن عبد الله بن مسعود قالوا: نودي في الناس يوم حنين يا أصحاب سورة البقرة ! فأقبلوا بسيوفهم كأنها الشهب فهزم الله المشركين.
70
ثم سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين: صنم عمرو ابن حممة الدوسي في شوال سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لما أراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي، يهدمه وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعاً إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفّين لست من عبّادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إنّي حششت النّار في فؤادكا
قال: وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً فوافوا النبي، صلى الله عليه وسلم، بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق وقال: يا معشر الأزد من يحمل رايتكم ؟ فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية النعمان بن بازية اللهبي؛ قال: أصبتم.
71
غزوة رسول الله للطائف
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الطائف في شوال سنة ثمان من مهاجره.
قالوا: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من حنين يريد الطائف وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيأوا للقتال، وسار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزل قريباً من حصن الطائف وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل رمياً شديداً كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً، فيهم عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وسعيد بن العاص، ورمي عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ فاندمل الجرح ثم انتقض به بعد ذلك فمات منه فارتفع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى موضع مسجد الطائف اليوم وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله فحاصرهم ثمانية عشر يوماً، ونصب عليهم المنجنيق ونثر الحسك سقبين من عيدان حول الحصن، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقطع أعنابهم وتحريقها فقطع المسلمون قطعاً ذريعاً ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: فإني أدعها لله وللرحم ! ونادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر ! فخرج منهم بضعة عشر رجلاً منهم أبو بكرة نزل في بكرة فقيل أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة ولم يؤذن لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في فتح الطائف. واستشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نوفل بن معاوية الديلي فقال: ما ترى ؟ فقال: ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك ! فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف ؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: فاغدوا على القتال؛ فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنا قافلون إن شاء الله؛ فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يضحك. وقال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ فلما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ! وقيل: يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم.
أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب، أخبرنا الحسن قال: حاصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل الطائف قال فرمي رجل من فوق سورها فقتل، فأتى عمر فقال: يا نبي الله ادع على ثقيف ! قال: إن الله لم يأذن في ثقيف، قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم ؟ قال: فارتحلوا، فارتحلوا.
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن مكحول: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوماً.
أخبرنا نصر بن باب عن الحجاج، يعني ابن أرطاة، عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الطائف: من خرج إلينا من العبيد فهو حر ! فخرج عبيد من عبيدهم فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
ثم بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المصدقين قالوا: لما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هلال المحرم سنة تسع من مهاجره بعث المصدقين يصدقون العرب فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم يصدقهم وبعث بريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار يصدقهم، ويقال كعب بن مالك، وبعث عباد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة.
وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة. وبعث عمرو بن العاص إلى بني فزارة. وبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب. وبعث بسر ابن سفيان الكعبي إلى بني كعب. وبعث ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان. وبعث رجلاً من سعد هذيم على صدقاتهم وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مصدقيه أن يأخذوا العفو منهم ويتوقوا كرائم أموالهم.
72
ثم سرية عيينة بن الحصن الفزاري إلى بني تميم، وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم، وذلك في المحرم سنة تسع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارساً من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحار فدخلوا وسرحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولوا وأخذ منهم أحد عشر رجلاً، ووجدوا في المحلة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبياً فجلبهم إلى المدينة فأمر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحبسوا في دار رملة بنت الحارث فقدم فيهم عدة من رؤسائهم عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم والأقرع بن حابس وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد وعمرو بن الأهتم ورباح بن الحارث بن مجاشع، فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري فعجلوا فجاؤوا إلى باب النبي، صلى الله عليه وسلم، فنادوا: يا محمد، اخرج إلينا ! فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله، صلى الله عليه وسلم، يكلمونه فوقف معه ثم مضى فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب؛ فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم، ونزل فيهم: " إنّ الّذينَ يُنَادُونَكَ منْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ " . فرد عليهم رسول الله الأسرى والسبي ثم بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بلمصطلق من خزاعة يصدقهم، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلاً يتلقونه بالجزور والغنم فرحاً به، فلما رآهم ولى راجعاً إلى المدينة فأخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة، فهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك القوم فقدم عليه الركب الذين لقوا الوليد فأخبروا النبي الخبر عن وجهه، فنزلت هذه الآية: " يَا أيّهَا الّذينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسقٌ بنَبَإ فَتَبَيّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بجَهَالَةٍ " إلى آخر الآية فقرأ عليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القرآن وبعث معهم عباد بن بشر يأخذ صدقات أموالهم ويعلمهم شرائع الإسلام ويقرئهم القرآن، فلم يعد ما أمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يضيع حقاً، وأقام عندهم عشراً ثم انصرف إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، راضياً.
73
ثم سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم بناحية بيشة قريباً من تربة في صفر سنة تسع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلاً إلى حي من خثعم بناحية تبالة وأمره أن يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشر أبعرة يعتقبونها فأخذوا رجلاً فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضر ويحذرهم فضربوا عنقه ثم أمهلوا حتى نام الحاضر فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعاً، وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة، وجاء سيل أتي فحال بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلاً، وكانت سهمانهم أربعة أبعرة أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشر من الغنم، بعد أن أخرج الخمس.
74
ثم سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في شهر ربيع الأول سنة تسع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جيشاً إلى القرطاء عليهم الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي، ومعه الأصيد ابن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزج زج لاوه فدعوهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم فلحق الأصيد أباه سلمة، وسلمة على فرس له في غدير بالزج، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبه وسب دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه.
75
ثم سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ناساً من الحبشة تراياهم أهل جدة فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم فأذن لهم فتعجل عبد الله بن حذافة السهمي فيهم فأمره على من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا ناراً يصطلون عليها ويصطنعون فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار ! فقام بعض القوم فاحتجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم ! فذكروا ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه.
76
ثم سرية علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، إلى الفلس صنم طيء ليهدمه في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفلس ليهدمه، فشنوا الغارة على محلة آل حام مع الفجر فهدموا الفلس وخربوه وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشأم ووجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب والمخذم وسيف يقال له اليماني، وثلاثة أدراع. واستعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على السبي أبا قتادة واستعمل على الماشية والرثة عبد الله بن عتيك، فلما نزلوا ركك اقتسموا الغنائم وعزل للنبي، صلى الله عليه وسلم، صفياً رسوباً والمخذم ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة.
77
ثم سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب، أرض عذرة وبلي، في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
78
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تبوك في رجب سنة تسع من مهاجره.
قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشأم وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك. وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم، وذلك في حر شديد، وأمرهم بالصدقة فحملوا صدقات كثيرة وقووا في سبيل الله، وجاء البكاؤون وهم سبعة يستحملونه فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون. وهم: سالم بن عمير وهرمي بن عمرو وعبلة بن زيد وأبو ليلى المازني وعمرو بن عنمة وسلمة بن صخر والعرباض بن سارية.
وفي بعض الروايات من يقول: إن فيهم عبد الله بن المغفل ومعقل ابن يسار. وبعضهم يقولون: البكاؤون بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة. وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في التخلف من غير علة فأذن لهم وهم بضعة وثمانون رجلاً. وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فاعتذروا إليه فلم يعذرهم وهم اثنان وثمانون رجلاً. وكان عبد الله بن أبي بن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين فكان يقال ليس عسكره بأقل العسكرين. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، استخلف على عسكره أبا بكر الصديق يصلي بالناس، واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة محمد بن مسلمة، وهو أثبت عندنا ممن قال استخلف غيره. فلما سار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب بن مالك وهلال بن ربيع ومرارة ابن الربيع وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر الغفاري. وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواءً أو رايةً ومضى لوجهه يسير بأصحابه حتى قدم تبوك في ثلاثين ألفاً من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس، فأقام بها عشرين ليلةً يصلي بها ركعتين ولحقه بها أبو خيثمة السالمي وأبو ذر الغفاري، وهرقل يومئذ بحمص، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارساً في رجب سنة تسع سرية إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلةً، وكان أكيدر من كندة قد ملكهم، وكان نصرانياً، فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد بن الوليد فاستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان وقاتل حتى قتل وهرب من كان معهما، فدخل الحصن وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح. فعزل للنبي، صلى الله عليه وسلم، صفياً خالصاً ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس، وكان للنبي، صلى الله عليه وسلم، ثم قسم ما بقي بين أصحابه فصار لكل رجل منهم خمس فرائض، ثم خرج خالد بن الوليد بأكيدر وبأخيه مصاد وكان في الحصن وبما صالحه عليه قافلاً إلى المدينة، فقدم بأكيدر على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأهدى له هدية فصالحه على الجزية وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما. وكتب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتاباً فيه أمانهم وما صالحهم عليه وختمه يومئذ بظفره. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، استعمل على حرسه بتبوك عباد بن بشر فكان يطوف في أصحابه على العسكر ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من تبوك ولم يلق كيداً وقدم المدينة في شهر رمضان سنة تسع فقال: الحمد لله على ما رزقنا في سفرنا هذا من أجر وحسبة ! وجاءه من كان تخلف عنه فحلفوا له فعذرهم واستغفر لهم وأرجأ أمر كعب ابن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم بعد، وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون: قد انقطع الجهاد ! فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنهاهم وقال: لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال.
أخبرنا عتاب بن زياد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يقول: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قل ما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً وغزو عدو كثير، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريده.
أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل ابن أبي طالب في قوله: الذين اتبعوه في ساعة العسرة، قال: خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير وخرجوا في حر شديد فأصابهم يوماً عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها، فكان ذلك عسرة من الماء وعسرة من الطهر وعسرة من النفقة.
أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة الغسيل، حدثني ابن لعبد الرحمن بن عبد الله أو ابن لعبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده أن النبي، صلى الله عليه وسلم، خرج إلى غزوة تبوك يوم الخميس وكانت آخر غزوة غزاها وكانت يستحب أن يخرج يوم الخميس.
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: غزا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تبوكاً فأقام بها عشرين ليلة يصلي بها صلاة المسافر.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: رجعنا من غزوة تبوك فلما دنونا من المدينة قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال: نعم حبسهم العذر ! أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب عن جابر قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول في غزوة تبوك بعد أن رجعنا إلى المدينة: إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم المرض.
79
ثم حجة أبي بكر الصديق بالناس في ذي الحجة سنة تسع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: استعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، على الحج فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة وبعث معه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعشرين بدنةً قلدها وأشعرها بيده عليها ناجية ابن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات، فلما كان بالعرج لحقه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، على ناقة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القصواء؛ فقال له أبو بكر: استعملك رسول الله على الحج ؟ قال: لا ولكن بعثني أقرأ براءةً على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده، فمضى أبو بكر فحج بالناس، وقرأ علي بن أبي طالب براءة على الناس يوم النحر عند الجمرة ونبذ إلى كل ذي عهد عهده وقال: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ثم رجعا قافلين إلى المدينة.
أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرن عمرو ابن الحارث عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فكان حميد يقول: يوم النحرة يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة.
80
ثم سرية خالد بنا لوليد إلى بني عبد المدان بنجران في شهر ربيع الأول سنة عش من مهاجر النبي، صلى الله عليه وسلم.
80
ثم سرية خالد بنا لوليد إلى بني عبد المدان بنجران في شهر ربيع الأول سنة عش من مهاجر النبي، صلى الله عليه وسلم.
81
رحمه الله يقال مرتين
ثم سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن؛ يقال مرتين، إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علياً إلى اليمن وعقد له لواء وعممه بيده وقال: امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك ! فخرج في ثلاثمائة فارس وكانت أول خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهي بلاد مذحج، ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، وجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنبل والحجارة فصف أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي، ثم حمل عليهم علي بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلاً فتفرقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله. وجمع علي الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء فكتب في سهم منها لله، وأقرع عليها فخرج أول السهم سهم الخمس، وقسم علي على أصحابه بقية المغنم ثم قفل فوافى النبي، صلى الله عليه وسلم، بمكة قد قدمها للحج سنة عشر.
82
أخبرنا هوذة بن خليفة وأحمد بن عبد الله بن يونس وشهاب بن عباد العبدي قالوا: أخبرنا داود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربع عمر: عمرة الحديبية وهي عمرة الحصر، وعمرة القضاء من قابل، وعمرة الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.
أخبرنا أحمد بن إسحق الحضرمي، أخبرنا وهيب، أخبرنا عبد الله ابن عمر بن خثيم عن سعيد بن جبير: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اعتمر عام الحديبية في ذي القعدة واعتمر عام صالح قريشاً في ذي القعدة واعتمر مرجعه من الطائف في ذي القعدة من الجعرانة.
أخبرنا حجاج بن نصير، أخبرنا أبو بكر، يعني الهذلي، عن عكرمة قال: اعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاث عمر في ذي القعدة قبل أن يحج.
أخبرنا موسى بن داود الضبي قال: أخبرنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة قال: اعتمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أربع عمر كلها في ذي القعدة.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال: لم يعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرةً إلا في ذي القعدة.
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان، يعني الثوري، عن ابن جريج عن عطاء قال: عمر النبي كلها في ذي القعدة.
أخبرنا عفان بن مسلم وهشام أبو الوليد الطيالسي وعمرو بن عاصم الكلابي قالوا: أخبرنا همام عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك: كم اعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أربعاً: عمرته التي صده فيها المشركون عن البيت من الحديبية في ذي القعدة، وعمرته أيضاً من العام المقبل حين صالحوه في ذي القعدة، وعمرته حين قسم غنيمة حنين من الجعرانة في ذي القعدة، وعمرته مع حجته.
أخبرنا محمد بن سابق، أخبرنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عتبة مولى ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس عن داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن محرش الكعبي هكذا قال: قال اعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلاً من الجعرانة ثم رجع كبائت، قال فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس، قال داود: عام الفتح.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا ابن لهيعة عن عياض بن عبد الرحمن عن محمد بن جعفر: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، اعتمر من الجعرانة وقال: اعتمر منها سبعون نبياً.
أخبرنا محمد بن الصباح، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: اعتمر رسول اله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثاً: عمرةً في شوال، وعمرتين في ذي القعدة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان، يعني الثوري، عن منصور عن إبراهيم قال: ما اعتمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا مرة.
أخبرنا هشيم، أخبرنا المغيرة عن الشعبي: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقام في عمره ثلاثاً.
أخبرنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي البيت في عمره ؟ قال: لا.
83
ثم حجة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالناس سنة عشر من مهاجره، وهي التي يسمي الناس حجة الوداع، وكان المسلمون يسمونها حجة الإسلام.
قالوا: أقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة عشر سنين يضحي كل عام ولا يحلق ولا يقصر ويغزو المغازي ولا يحج حتى كان في ذي القعدة سنة عشر من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجمع الخروج إلى الحج وآذن الناس بذلك، فقدم المدينة بشر كثير يأتمون برسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حجته ولم يحج غيرها منذ تنبىء إلى أن توفاه الله، وكان ابن عباس يكره أن يقال حجة الوداع ويقول حجة الإسلام، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من المدينة مغتسلاً متدهناً مترجلاً متجرداً في ثوبين صحاريين إزار ورداء، وذلك يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين وأخرج معه نساءه كلهن في الهوادج. وأشعر هديه وقلده ثم ركب ناقته، فلما استوى عليها بالبيداء أحرم من يومه ذلك، وكان على هديه ناجية ابن جندب الأسلمي واختلف علينا فيما أهل به: فأهل المدينة يقولون أهل بالحج مفرداً، وفي رواية غيرهم أنه قرن مع حجته عمرةً، وقال بعضهم دخل مكة متمتعاً بعمرة ثم أضاف إليها حجةً، وفي كل رواية، والله أعلم. ومضى يسير المنازل ويؤم أصحابه في الصلوات في مساجد له قد بناها الناس وعرفوا مواضعها، وكان يوم الاثنين بمر الظهران فغربت له الشمس بسرف ثم أصبح فاغتسل ودخل مكة نهاراً، وهو على راحلته القصواء، فدخل من أعلى مكة من كداء حتى انتهى إلى باب بني شيبة، لما رأى البيت رفع يديه فقال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتكريماً ومهابةً وتعظيماً وبراً ! ثم بدأ فطاف بالبيت ورمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، وهو مضطبع بردائه، ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة على راحلته من فوره ذلك.
وكان قد اضطرب بالأبطح فرجع إلى منزله. فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر، ثم خرج يوم التروية إلى منى فبات بها، ثم غدا إلى عرفات فوقف بالهضاب من عرفات وقال: كل عرفة موقف إلا بطن عرنة؛ فوقف على راحلته يدعو، فلما غربت الشمس دفع فجعل يسير العتق، فإذا وجد فجوةً نص حتى جاء المزدلفة، فنزل قريباً من النار فصلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ثم بات بها، فلما كان في السحر أذن لأهل الضعف من الذرية والنساء أن يأتوا منى قبل حطمة الناس. قال ابن عباس: وجعل يلطح أفخاذنا ويقول أبني لا ترموا حتى تطلع الشمس، يعني جمرة العقبة، فلما برق الفجر صلى نبي الله، صلى الله عليه وسلم، الصبح ثم ركب راحله فوقف على قزح وقال: كل المزدلفة موقف إلا بطن محسر، ثم دفع قبل طلوع الشمس، فلما بلغ إلى محسر أوضع لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ثم نحر الهدي وحلق رأسه وأخذ من شاربه وعارضيه وقلم أظفاره وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن، ثم أصاب الطيب ولبس القميص ونادى مناديه بمنى: إنها أيام أكل وشرب، وفي بعض الروايات: وباءة، وجعل يرمي الجمال في كل يوم عند زوال الشمس بمثل حصى الخذف، ثم خطب الغد من يوم النحر بعد الظهر على ناقته القصواء، ثم صدر يوم الصدر الآخر وقال: إنما هن ثلاث يقيمهن المهاجر بعد الصدر، يعني بمكة، ثم ودع البيت وانصرف راجعاً إلى المدينة، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا هشيم بن بشير قال: أخبرنا حميد الطويل أخبرني بكر ابن عبد الله المزني قال سمعت أنس بن مالك يحدث قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يلبي بالحج والعمرة جميعاً، قال فحدثت بذلك ابن عمر، قال فقال ابن عمر: لبى بالحج وحده، قال فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما يعدوننا إلا كالصبيان ! سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: لبيك عمرةً وحجاً معاً.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ثلاثة أنواع: منا من قرن بين عمرة وحج، ومنا من أهل بالحج، ومن من أهل بعمرة، فأما من قرن بين عمرة وحج فإنه لا يحل حتى يقضي المناسك كلها، وأما من أهل بحج فإنه لا يحل مما حرم عله حتى يقضي المناسك، ومن أهل بعمرة فإنه إذا طاف وسعى حل من كل شيء حتى يستقبل الحج.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صرح بهما جميعاً.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا حميد عن أنس قال: لبى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعمرة وحجة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا وهيب، أخبرنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الظهر بالمدينة أربعاً ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين وبات بها حتى أصبح، فلما انبعثت به راحلته سبح وكبر حتى استوت به على البيداء، قال: فلما قدمنا مكة أمرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يحلوا، فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبع بدنات بيده قياماً، وضحى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكبشين أملحين أقرنين.
أخبرنا عفان، أخبرنا وهيب، أخبرنا أيوب عن السدوسي قال سمعت ابن عباس يقول: قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لصبح رابعة مهلين بالحج فأمرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يجعلوها عمرةً إلا من كان معه الهدي، قال: فلبست القمص وسطعت المجامر ونكحت النساء.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا قيس ابن سعد عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأربع خلون من ذي الحجة، فلما طفنا بالبيت وبين الصفا والمروة قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اجعلوها عمرةً إلا من كان معه الهدي، فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر طافوا ولم يطوفوا بين الصفا والمروة.
أخبرنا عمرو بن حكام بن أبي الوضاح، أخبرنا شعبة عن أيوب عن أبي العالية البراء عن ابن عباس قال: أهل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحج فقدم لأربع مضين من ذي الحجة فصلى بنا الصبح بالبطحاء ثم قال: من شاء أن يجعلها عمرةً فليجعلها.
أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا يحيى بن حمزة عن أبي وهب عن مكحول أنه سئل: كيف حج النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن حج معه من أصحابه ؟ فقال: حج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن حج معه من أصحابه معهم النساء والولدان. قال مكحول: تمتعوا بالعمرة إلى الحج فحلوا فأحل لهم ما يحل للحلال من النساء والطيب.
أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا يحيى بن حمزة عن النعمان أن مكحولاً حدثه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل بالعمرة والحج جميعاً.
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، أخبرنا حجاج عن الحسن بن سعد عن ابن عباس قال: أنبأني أبو طلحة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، جمع بين حجة وعمرة.
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن عروة عن عائشة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أفرد بالحج.
أخبرنا معن بن عيسى ومطرف بن عبد الله بن مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفرد بالحج.
أخبرنا مطوف بن عبد الله، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أفرد بالحج.
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لبيك اللهم لبيك ! لبيك لا شريك لك ! لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ! أخبرنا وكيع بن الجراح وهاشم بن القاسم الكناني عن الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان عن أنس بن مالك قال: حج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على رحل رث وقطيفة. قال وكيع: يستوي أو لا يستوي أربعة دراهم. قال هاشم بن القاسم: أراها ثمن أربعة دراهم؛ فلما توجه قال: اللهم حجة لا رثاء فيها ولا سمعة ! أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أهل بالحج عند الظهر من ذي الحليفة.
أخبرنا محمد بن بكر البرساني، أخبرني ابن جريج، أخبرني جعفر ابن محمد أنه سمع أباه محمد بن علي يحدث أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أهدى في حجته مائة بدنة وأمر من كل بدنة بمضغة فجعلت في قدر فأكلا من لحمها وشربا من مرقها؛ قلت: من الذي أكل مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وشرب من المرق ؟ قال علي: جعفر يقوله لي، يعني علي بن أبي طالب أكل مع النبي وشرب من المرق، قال: وجعفر يقوله لابن جريج.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا الوليد بن مسلم عن عمر بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن من أبصر النبي، صلى الله عليه وسلم، سائراً إلى منى وبلال إلى جانبه، وبيد بلال عود عليه ثوباً وشيء يظله من الشمس.
أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن جبريل أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ارفع صوتك بالإهلال فإنه شعار الحج.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي عن سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي لبيد، أخبرني المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فقال لي: ارفع صوتك بالإهلال فإنه من شعار الحج.
أخبرنا الضحاك بن مخلد الشيباني، أخبرنا ابن جريج عن يحيى ابن عبيد عن أبيه عن عبد الله بن السائب قال: رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا المسعودي، حدثني محمد بن علي عن أسامة بن زيد قال: صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في البيت.
أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أسامة بن زيد وأخبرني محمد بن عمر قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلى في الكعبة ركعتين.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني قيس عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أمية قال: سألت عمر كيف صنع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في البيت ؟ قال: صلى ركعتين.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البيت هو وبلال. وقال ابن عمر: فسألت بلالاً صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه ؟ قال: نعم في مقدم البيت، بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سيف بن سليمان عن مجاهد عن ابن عمر قال: أتيت فقيل لي هذا رسول الله قد دخل البيت، قال: فأقبلت فوجدته قد خرج ووجدت بلالاً قائماً عند الباب فسألته فقال: صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ركعتين.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عمر بن قيس عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: لما أراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يدخل الكعبة خلع نعليه.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا شيبان بن عبد الرحمن عن جابر عن أبي يحيى عن قزعة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول يوماً ودخل البيت وعليه كآبة فقلت: ما لك يا رسول الله ؟ فقال: فعلت اليوم أمراً ليتني لم أكن فعلته ! دخلت البيت ولعل الرجل من أمتي لا يقدر أن يدخله فينصرف وفي نفسه حزازةً، وإنما أمرنا بالطواف به ولم نؤمر بالدخول.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، طاف قبل عرفة.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شعبة عن بكير بن عطاء الليثي قال سمعت عبد الرحمن بن يعمر قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعرفات قال: الحج عرفات أو يوم عرفة، من أدرك ليلة جمع قبل الصبح فقد تم حجه، وقال: أيام منى ثلاث فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شعبة، أخبرنا عبد الله بن أبي السفر قال: سمعت الشعبي يحدث عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لأم قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو بالمزدلفة فقلت يا رسول الله هل لي من حج ؟ فقال: من صلى الصلاة معنا ها هنا وقد شهد قبل ذلك عرفات ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه.
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوةً نص.
أخبرنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أفاض من عرفات وردفه أسامة وأفاض من جمع وردفه الفضل بن عباس، قال: ولبى حتى رمى جمرة العقبة.
أخبرنا محمد بن بكر البرساني قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء، أخبرني ابن عباس: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أردف الفضل ابن عباس. قال عطاء: فأخبرني ابن عباس أن الفضل أخبره أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرني ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس عن الفضل بن عباس: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا قال: عليكم السكينة، وهو كاف ناقته حتى دخل منى حين هبط من محسر فقال: عليكم بحصى الخذف الذي ترمون به الجمرة، وأشار النبي، صلى الله عليه وسلم، كما يخذف الانسان.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يرمي بمثل حصى الخذف.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا عوف عن زياد بن حصين عن أبي العالية الرياحي، أخبرنا عبد الله بن عباس قال: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غداة العقبة: القط لي، فلقطت له حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو إنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ! وأخبرنا محمد بن بكر البرساني وعبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج قال: وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قول: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يرمي يوم النحر ضحى وأما ما بعد ذلك فبعد زوال الشمس.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يرمي على راحلته يوم النحر ويقول لنا خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه.
أخبرني مطرف بن عبد الله اليساري، أخبرنا الزنجي بن خالد عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، كان يرمي الجمار ماشياً ذاهباً وراجعاً.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا همام عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نحر ثم حلق.
أخبرنا محمد بن بكر البرساني، أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى ابن عقبة عن نافع أن ابن عمر أخبره أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حلق رأسه في حجة الوداع.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زهير، أخبرنا موسى ابن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حلق رأسه في حجة الوداع.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: لقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والحلاق يحلقه وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أفاض يوم النحر فغدا غدواً قبل أن تزول الشمس ثم رج فصلى الصلوات بمنى؛ قال ابن جريج وقال عطاء: ومن أفاض فليصل الظهر بمنى، قال: وإني لأصلي الظهر بمنى قبل أن أفيض والعصر بالطريق وكل ذلك أصنع.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج، أخبرني هشام بن حجير وغيره عن طاووس قال: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يفيضوا نهاراً وأفاض في نسائه ليلاً وطاف بالبيت على ناقته ثم جاء زمزم فقال ناولوني، فنوول دلواً فشرب منها ثم مضمض فمج في الدلو ثم أمر به فأفرغ في البئر، يعني زمزم.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن مسلم أن طاووساً حدثهم: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، طاف على راحلته.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج، أخبرني هشام بن حجير أنه سمع طاووساً يزعم: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أتى زمزم فقال ناولوني، فنوول دلواً فشرب منها ثم مضمض في الدلو ثم أمر بماء في الدلو فأفرغ في البئر، ثم مشى إلى السقاية سقاية النبيذ ليشرب فقال ابن عباس للعباس: إن هذا ساطته الأيدي منذ اليوم وفي البيت شراب صاف، فأبى النبي أن يشرب إلا منه فشرب منه، قال: وكان طاووس يقول الشرب من النبيذ من تمام الحج.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاووس عن أبيه: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شرب من النبيذ ومن زمزم وقال: لولا أن تكون سنةً لنزعت.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج قال: أخبرنا حسين ابن عبد الله أن رجلاً نادى ابن عباس والناس حوله: أسنةً تبتغون بهذا النبيذ أم هو أهون عليكم من العسل واللبن ؟ فقال ابن عباس: أتي النبي، صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه من المهاجرين والأنصار بعساس فيها النبيذ، فلما شرب، صلى الله عليه وسلم، عجل قبل أن يروى فرفع رأسه فقال: أحسنتم هكذا اصنعوا ! قال ابن عباس: فرضاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ذلك أحب إلي من أن تسيل شعابها عليناً عسلاً ولبناً.
أخبرنا عبد الوهاب عن ابن جريج عن عطاء: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما أفاض نزع لنفسه بالدلو لم ينزع معه أحد فشرب ثم أفرغ ما بقي في الدلو في البئر وقال: لولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لم ينزع منها أحد غيري، قال: فنزع هو نفسه الدلو التي شرب منها لم يعنه على نزعها أحد.
أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق، حدثني حارثة بن وهب الخزاعي، وكانت أمه تحت عمر، قال: صليت خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى بنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ركعتين في حجة الوداع.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمنى وإني لتحت جران ناقته وهي تقصع بجرتها وإن لعابها ليسيل بين كتفي فقال: إن الله قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصية، ألا وإن الولد للفراش وللعاهر الحجر ! ألا ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواله رغبةً عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ! أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا هشام بن الغاز، أخبرني نافع عن ابن عمر: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال للناس: أي يوم هذا ؟ فقالوا: يوم النحر؛ قال: فأي بلد هذا ؟ قالوا: البلد الحرام؛ قال: فأي شهر هذا ؟ قالوا: الشهر الحرام؛ فقال: هذا يوم الحج الأكبر ! فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت ؟ قالوا: نعم ! فطفق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم اشهد ! ثم ودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع.
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، حدثني أبو مالك الأشجعي، حدثني نبيط بن شريط الأشجعي قال: إني لرديف أبي في حجة الوداع إذ تكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقمت على عجز الراحلة ووضعت رجلي على عاتقي أبي، قال فسمعته يقول: أي يوم أحرم ؟ قالوا: هذا اليوم ! قال: فأي شهر أحرم ؟ قالوا: هذا الشهر ! قال: فأي بلد أحرم ؟ قالوا: هذا البلد ! قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، هل بلغت ؟ قالوا: اللهم نعم ! قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد ! أخبرنا يونس بن محمد المؤدب، أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدثني أبي عن أبي غادية رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم العقبة قال: يا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت ؟ قال قلنا: نعم ! قال: اللهم اشهد ! ألا لا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
أخبرن سعيد بن سليمان، أخبرنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق، حدثني يحيى بن أم الحصين والعيزار بن الحريث عن أم الحصين قالت: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عشية عرفة على بعير قائلاً بردائه هكذا، وأشار أبو بكر، ألقاه على عضده الأيسر من تحت عضده وأخرج عضده الأيمن، قالت فسمعته يقول: يا أيها الناس اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع أقام فيكم كتاب الله.
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخطب يوم عرفة على جمل أحمر.
أخبرنا عبد الله بن عمر وأبو معمر المنقري، حدثني عبد الوارث ابن سعيد مولى بني العنبر، أخبرنا حميد بن قيس المكي عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال وكان من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن بمنى، قال ففتحت أسماعنا حتى إن كنا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا، قال فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فقال بحصى الخذف، ووضع إصبعيه السبابتين إحداهما على الأخرى، ثم أمر المهاجرين أن ينزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أبيه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع: أرقاءكم أرقاءكم ! أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ! وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار، حدثني الهرماس ابن زياد الباهلي قال: كنت ردف أبي يوم الأضحى ونبي الله يخطب الناس على ناقته بمنى.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا الهرماس بن زياد قال: انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي مردفي وراءه على جمل له وأنا صبي صغير، فرأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب عن محمد عن أبي بكرة: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، خطب في حجته فقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعد وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال: أي يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم ! فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس اليوم النحر ؟ قلنا: بلى ! قال: أي شهر هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم ! قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس ذا الحجة ؟ قلنا: بلى ! قال: أي بلد هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليست البلدة الحرام ؟ قلنا: بلى ! قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال وأحسبه قال وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ! ألا لا ترجعن بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض ! ألا هل بلغت ؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ! ألا هل بلغت ؟ قال محمد: قد كان ذاك، قد كان بعض من بلغه أوعى له من بعض من سمعه.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال: حج أبو بكر ونادى علي بالأذان في ذي القعدة قال فكانت الجاهلية يحجون في كل شهر من شهور السنة عامين فوافق حج نبي الله، صلى الله عليه وسلم، في ذي الحجة فقال: هذا يوم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض.
قال أبو بشر: إن الناس لما تركوا الحق نسأوا الشهور.
أخبرنا يزيد بن هارون ومعن بن عيسى قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث عبد الله بن حذافة عن راحلته ينهى عن صيام أيام التشريق وقال: إنهن أيام أكل وشرب وذكر لله.
قال معن في حديثه: فانتهى المسلمون عن صومهن.
أخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي، أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد بن علي عن بديل بن ورقاء قال: أمرني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أيام التشريق أن أنادي: هذه أيام أكل وشرب فلا يصومهن أحد.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن محمد بن إسحاق عن حكيم ابن حكيم عن مسعود بن الحكم الزرقي عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى علي على بغلة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البيضاء حين وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس إنها ليست بأيام صيام إنما هي أيام أكل وشرب وذكر.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن جريج، أخبرني عطاء عن جابر بن عبد الله قال: أهللنا أصحاب النبي بالحج خالصاً ليس معه غيره خالصاً وحده، فقدمنا مكة صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا النبي، صلى الله عليه وسلم، أن نحل فقال: أحلوا واجعلوها عمرةً، فبلغه أنا تقول لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل فنروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر من المني؛ فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، فخطبنا فقال: قد بلغني الذي قلتم، وإني لأبركم وأتقاكم، ولولا الهدي لأحللت، ولو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت. قال: وقدم علي من اليمن فقال له: بم أهللت ؟ قال: بما أهل به النبي؛ قال: فأهد وامكث حراماً كما أنت؛ قال وقال له سراقة: يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه أهي لعامنا هذا أو للأبد ؟ قال: بل للأبد، قال إسماعيل هذا أو نحوه.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: لبيك عمرةً وحجاً ! أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن حميد عن أنس بن مالك قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: لبيك بعمرة وحج ! وأخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزلت على النبي، صلى الله عليه وسلم: اليوم أكملت لكم دينكم؛ قال: نزلت وهو واقف بعرفة حين وقف موقف إبراهيم واضمحل الشرك وهدمت منار الجاهلية ولم يطف بالبيت عريان.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا ليث، يعني ابن أبي سليم، عن طاووس عن ابن عباس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لبى حتى رمى الجمرة يوم النحر.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد ابن العاص عن أبيه قال: صدرت مع ابن عمر يوم الصدر فمرت بنا رفقة يمانية رحالهم الأدم وخطهم إبلهم الجرر، فقال عبد الله: من أحب أن ينظر إلى رفقة وردت الحج العام برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا: أخبرنا سفيان عن ليث عن طاووس عن ابن عباس أنه كره أن يقول حجة الوداع، قال: فقلت حجة الإسلام، قال: نعم حجة الإسلام.
أخبرنا الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة قال: كان طاووس يكره أن يقول حجة الوداع ويقول حجة الإسلام.
أخبرنا الضحاك بن مخلد الشيبان عن ابن جريج، أخبرني إسماعيل ابن محمد بن سعد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر عن العلاء بن الحضرمي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً.
أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: أخبرنا همام، أخبرنا قتادة قال قلت لأنس: كم حجة حج النبي، صلى الله عليه وسلم ؟ قال: حجة واحدة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان عن ابن جريج عن مجاهد قال: حج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حجتين قبل أن يهاجر وبعدما هاجر حجة.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي قال: أخبرنا ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن أم المؤمنين وعن القاسم عن أم المؤمنين قالا: قالت عائشة يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد ! قال: انظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه ثم القينا بجبل كذا وكذا، قال: أظنه قال كذا ولكنها على قدر نصبك أو قال قدر نفقتك أو كما رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
84
ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أبنى، وهي أرض السراة ناحية البلقاء.
قالوا: لما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة ابن زيد فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحاً على أهل أبنى وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الأخبار، فإن ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك. فلما كان يوم الأربعاء بدىء برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده ثم قال: أغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله ! فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم بن حريش، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين ! فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابةً وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ! وايم الله إن كان للإمارة لخليقاً وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإنهما لمخيلان لكل خير، واستوصوا به خيراً فإنه من خياركم ! ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويمضون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة ! فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبي مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فطأطأ أسامة فقبله ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة، قال: فعرفت أنه يدعو لي؛ ورجع أسامة إلى معسكره ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مفيقاً، صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: أغد على بركة الله ! فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل؛ فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله يموت ! فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يموت فتوفي، صلى الله عليه صلاة يحبها ويرضاها، حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقوداً حتى أتى به باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فغرزه عنده، فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة ابن الحصيب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى به بريدة إلى معسكرهم الأول، فلما ارتدت العرب كلم أبو بكر في حبس أسامة فأبى، وكلم أبو بكر أسامة في عمر أن يأذن له في التخلف ففعل. فلما كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة خرج أسامة فسار إلى أهل أبنى عشرين ليلةً فشن عليهم الغارة، وكان شعارهم: يا منصور أمت ! فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليه وحرق في طوائفها بالنار وحرق منازلهم وحروثه ونخلهم فصارت أعاصير من الدخاخين وأجال الخيل في عرصاتهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سبحة وقتل قاتل أبيه في الغارة وأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهماً وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلما أمسى أمر الناس بالرحيل ثم أغذ السير فوردوا وادي القرى في تسع ليال، ثم بعث بشيراً إلى المدينة يخبر بسلامتهم، ثم قصد بعد في السير فسار إلى المدينة ستاً وما أصيب من المسلمين أحد، وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونم سروراً بسلامتهم ودخل على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى إلى المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته. وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطةً يكونون بالبلقاء، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشأم في خلافة أبي بكر وعمر 
آخر  غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم وسراياه
.........................

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق