Sitemap: http://example.com/sitemap_location.xml https://alnukhbhtattalak.blogspot.com/2017/09/blog-post_76.html/

صفة صلاة النبي{ص}تحقيق الشيخ الألباني

صفة صلاة النبي{ص}تحقيق الشيخ الألباني

https://alnukhbhtattalak.blogspot.com/ صفة صلاة النبي{ص}

ياربي العفو والعافية في الدارين


مستطيل م اسماء صلاح

مدونة اسماء صلاح التعليمية 3 ثانوي https://3thnweyadbyandelmy.blogspot.com/2017/09/3_93.html

الخميس، 18 أبريل 2019

3 غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم وسراياه


21
سرية المنذر بن عمرو
ثم سرية المنذر بن عمرو الساعدي إلى بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: وقدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلابي على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأهدى له فلم يقبل منه وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: لو بعثت معي نفراً من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد. فقال: أنا لهم جار إن يعرض لهم أحد. فبعث معه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبعين رجلاً من الأنصار شببةً يسمون القراء وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلما نزلوا ببئر معونة، وهو ماء من مياه بني سليم وهو بين أرض بني عامر وأرض بني سليم، كلا البلدين يعد منه وهو بناحية المعدن، نزلوا عليها وعسكروا بها وسرحوا ظهرهم وقدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عامر بن الطفيل فوثب على حرام فقتله واستصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لا يخفر جوار أبي براء، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية ورعلاً وذكوان فنفروا معه ورأسوه. واستبطأ المسلمون حراماً فأقبلوا في أثره فلقيهم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم فتقاتلوا فقتل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيهم سليم بن ملحان والحكم بن كيسان في سبعين رجلاً، فلما أحيط بهم قالوا: اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك فأقرئه منا السلام. فأخبره جبرائيل، صلى الله عليه وسلم، بذلك فقال: وعليهم السلام؛ وبقي المنذر بن عمرو فقالوا: إن شئت آمناك، فأبى وأتى مصرع حرام فقاتلهم حتى قتل فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أعنق ليموت، يعني أنه تقدم على الموت وهو يعرفه، وكان معهم عمرو بن أمية الضمري فقتلوا جميعاً غيره، فقال عامر بن الطفيل: قد كان على أمي نسمة فأنت حر عنها، وجز ناصيته. وفقد عمرو بن أمية عامر ابن فهيرة من بين القتلى فسأل عنه عامر بن الطفيل فقال: قتله رجل من بني كلاب يقال له جبار بن سلمى، لما طعنه قال: فزت والله ! ورفع إلى السماء علواً. فأسلم جبار بن سلمى لما رأى من قتل عامر بن فهيرة ورفعه وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة وارت جثته وأنزل عليين. وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضاً مصاب خبيب بن عدي ومرثد بن أبي مرثد وبعث محمد بن مسلمة فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهاً. ودعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قتلتهم بعد الركعة من الصبح فقال: اللهم أشدد وطأتك على مضر ! اللهم سنين كسني يوسف ! اللهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة وزغب ورعل وذكوان وعصية فإنهم عصوا الله ورسوله. ولم يجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة، وأنزل الله فيهم قرآناً حتى نسخ بعد: " بَلّغوا قَوْمَنَا عَنّا أنّا لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينَا عنْهُ " . وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد بني عامر واطلب خفرتي من عامر بن الطفيل. وأقبل عمرو بن أمية سار أربعاً على رجليه، فلما كان بصدور قناة لقي رجلين من بني كلاب قد كان لهما من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمان فقتلهما وهو لا يعلم ذلك ثم قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بمقتل أصحاب بئر معونة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أبت من بينهم. وأخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، يقتل العامريين فقال: بئس ما صنعت! قد كان لهما مني أمان وجوار، لأدينهما، فبعث بديتهما إلى قومهما.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أن رعلاً وذكوان وعصية وبني لحيان أتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فاستمدوه على قومهم فأمدهم سبعين رجلاً من الأنصار، وكانوا يدعون فينا القراء، كانوا يحطبون بالنهار ويصلون بالليل، فلما بلغوا بئر معونة غدروا بهم فقتلوهم، فبلغ ذلك نبي الله، صلى الله عليه وسلم، فقنت شهراً في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. قال: فقرأنا بهم قرآناً زماناً ثم إن ذلك رفع أو نسي: " بَلّغُوا عنّا قَوْمَنَا أنّا لَقِينّا رَبّنَا فَرَضيَ عَنّا وَأرْضَانَا " .
أخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا عمارة بن زاذان، حدثني مكحول قال: قلت لأنس بن مالك: أبا حمزة القراء، قال: ويحك قتلوا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانوا قوماً يستعذبون لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويحطبون حتى إذا كان الليل قاموا إلى السواري للصلاة.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم: أن المنذر بن عمرو الساعدي قتل يوم بئر معونة، وهو الذي يقال له: أعنق ليموت، وكان عامر بن الطفيل استنصر لهم بني سليم فنفروا معه فقتلوهم غير عمرو بن أمية الضمري، أخذه عامر بن الطفيل فأرسله، فلما قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أبت من بينهم. وكان من أولئك الرهط عامر بن فهيرة، قال ابن شهاب: فزعم عروة بن الزبير أنه قتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دفنوا. قال عروة: كانوا يرون أن الملائكة هي دفنته.
أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا مالك ابن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن حتى نسخ بعد: " بَلّغُوا قَوْمَنَا أنّا قَدْ لَقِينَا رَبّنَا فَرَضيَ عَنّا وَرَضِينَا عَنْهُ " . ودعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على الذين قتلوهم ثلاثين غداة، يدعو على رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال: سمعت أنس بن مالك قال: ما رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.
سرية مرثد بن أبي مرثد
ثم سرية مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى الرجيع في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا عبد الله بن إدريس الأودي، أخبرنا محمد بن إسحاق عن عاصم ابن عمر بن قتادة بن النعمان الظفري، وأخبرنا معن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عمر بن أسيد بن العلاء بن جارية، وكان من جلساء أبي هريرة، قال: قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رهط من عضل والقارة وهم إلى الهون بن خزيمة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معهم عشرة رهط: عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ومرثد بن أبي مرثد وعبد الله بن طارق وخبيب ابن عدي وزيد بن الدثنة وخالد بن أبي البكير ومعتب بن عبيد، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه وهما من بلي حليفان في بني ظفر، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وقال قائل: مرثد بن أبي مرثد، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، وهو ماء لهذيل بصدور الهدة، والهدة على سبعة أميال منها، والهدة على سبعة أميال من عسفان، فغدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلاً، فخرج إليهم بنو لحيان فلم يرع القوم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذ أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيوفهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب بكم ثمناً من أهل مكة ولكم العهد والميثاق ألا نقتلكم. فأما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد بن أبي البكير ومعتب بن عبيد فقالوا. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم، وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت نذرت لتشربن في قحف عاصم الخمر، وكان قتل ابنيها مسافعاً وجلاساً يوم أحد، فحمته الدبر فقالوا: أمهلوه حتى تمشي، فإنها لو قد أمست ذهبت عنه. فبعث الله الوادي فاحتمله وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، وقدموا بخبيب وزيد مكة. فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه، وابتاع حجير بن أبي إهاب خبيب بن عدي لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بابيه فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما، وكانا صليا ركعتين ركعتين قبل أن يقتلا، فخبيب أول من سن ركعتين عند القتل.
أخبرنا عبد الله بن إدريس، حدثني عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب مولى الحارث بن عامر قال: قال موهب قال لي خبيب وكانوا جعلوه عندي: يا موهب أطلب إليك ثلاثاً: أن تسقيني العذب وأن تجنبني ما ذبح على النصب وأن تؤذني إذا أرادوا قتلي.
أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن نفراً من قريش فيهم أبو سفيان حضروا قتل زيد فقال قائل منهم: يا زيد أنشدك الله، أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمداً عندنا مكانك نضرب عنقه ؟ قال: لا والله ما أحب أن محمداً يشاك في مكانه بشوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي؛ قال: يقول أبو سفيان والله ما رأيت من قوم قط أشد حباً لصاحبهم من أصحاب محمد له.
22
غزوة بني النضير
صلى الله عليه وسلم.
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني النضير في شهر ربيع الأول سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهراً من مهاجره، وكانت منازل بني النضير بناحية الغرس وما والاها مقبرة بني خطمة اليوم فكانوا حلفاء لبني عامر.
قالوا: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم السبت فصلى في مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم أتى بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت. وخلا بعضهم ببعض وهموا بالغدر به. وقال عمرو بن جحاش بن كعب بن بسيل النضري: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرةً، فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه. وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخبر بما هموا فنهض سريعاً كأنه يريد حاجةً، فتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه فقالوا: أقمت ولم نشعر ؟ قال: همت يهود بالغدر فأخبرني الله بذلك فقمت. وبعث إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمد بن مسلمة أن أخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشراً. فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا على ذلك أياماً يتجهزون وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر وتكاروا من ناس من أشجع إبلاً، فأرسل إليهم ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قال ابن أبي فأرسل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك. فأظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، التكبير وكبر المسلمون لتكبيره وقال: حاربت يهود، فصار إليهم النبي، صلى الله عليه وسلم، في أصحابه فصلى العصر بفضاء بني النضير وعلي، رضي الله عنه، يحمل رايته، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فلما رأوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان فأيسوا من نصرهم، فحاصرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقطع نخلهم فقالوا: نحن نخرج عن بلادك، فقال: لا أقبله اليوم ولكن أخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة. فنزلت يهود على ذلك، وكان حاصرهم خمسة عشر يوماً، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، ثم أجلاهم عن المدينة وولى إخراجهم محمد ابن مسلمة، وحملوا النساء والصبيان وتحملوا على ستمائة بعير، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش، فلحقوا بخيبر وحزن المنافقون عليهم حزناً شديداً، وقبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الأموال والحلقة فوجد من الحلقة خمسين درعاً وخمسين بيضة وثلاثمائة سيف وأربعين سيفاً. وكانت بنو النضير صفياً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، خالصةً له حبساً لنوائبه ولم يخمسها ولم يسهم منها لأحد، وقد أعطى ناساً من أصحابه ووسع في الناس منها، فكان ممن أعطي ممن سمي لنا من المهاجرين أبو بكر الصديق بئر حجر وعمر بن الخطاب بئر جرم وعبد الرحمن بن عوف سوالة وصهيب بن سنان الضراطة والزبير بن العوام وأبو سلمة بن عبد الأسد البويلة وسهل بن حنيف وأبو دجانة مالاً يقال له مال ابن خرشة.
أخبرنا محمد بن حرب المكي وهاشم بن القاسم الكناني قالا: أخبرنا الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حرق نخل النضير، وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: " مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلى أُصُولِهَا " .
أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما أجلى بني النضير قال: امضوا فإن هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
23
غزوة بدر الموعد
صلى الله عليه وسلم.
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بدر الموعد وهي غير بدر القتال وكانت لهلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهراً من مهاجره.
قالوا: لما أراد أبو سفيان بن حرب أن ينصرف يوم أحد نادى: الموعد بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول نلتقي بها فنقتتل. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعمر بن الخطاب: قل نعم إن شاء الله. فافترق الناس على ذلك ثم رجعت قريش فخبروا من قبلهم بالموعد وتهيؤوا للخروج. فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة فقال له أبو سفيان: إني قد وأعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب وإنما يصلحنا عام خصب غيداق وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترىء علينا فنجعل لك عشرين فريضةً يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة فتخذل أصحاب محمد، قال: نعم. ففعلوا وحملوه على بعير فأسرع السير فقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم وما معه من العدة والسلاح. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد ! فنصر الله المسلمين وأذهب عنهم الرعب. فاستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن رواحة وحمل لواءه علي بن أبي طالب وسار في المسلمين، وهم ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم وتجارات، وكانت بدر الصفراء مجتمعاً يجتمع فيه العرب وسوقاً تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه ثم يتفرق الناس إلى بلادهم، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة وقامت السوق صبيحة الهلال فأقاموا بها ثمانية أيام وباعوا ما خرجوا به من التجارات فربحوا للدرهم درهماً وانصرفوا، وقد سمع الناس بسيرهم، وخرج أبو سفيان بن حرب من مكة في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فرساً حتى انتهوا إلى مجنة، وهي مر الظهران، ثم قال: ارجعوا فإنه لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب فإني راجع فارجعوا. فسمى أهل مكة ذلك الجيش جيش السويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. وقدم معبد بن أبي معبد الخزاعي مكة بخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وموافاته بدراً في أصحابه فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترؤوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم ثم أخذوا في الكيد والنفقة والتهيؤ لغزوة الخندق.
أخبرنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن مجاهد: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، قال هذا أبو سفيان، قال يوم أحد: يا محمد موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا ! فقال محمد، صلى الله عليه وسلم: عسى ! فانطلق النبي، صلى الله عليه وسلم، لموعده حتى نزلوا بدراً فوافقوا السوق، فذلك قول الله تبارك وتعالى: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. والفضل ما أصابوا من التجارة، وهي غزوة بدر الصغرى.
24
غزوة ذات الرقاع
صلى الله عليه وسلم.
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات الرقاع في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهراً من مهاجره، قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له فأخبر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن أنماراً وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع؛ فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان وخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة من أصحابه، ويقال سبعمائة. فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع، ومر جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض قريب من النخيل بين السعد والشقرة، فلم يجد في محالهم أحداً إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال، وحضرت الصلاة فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم فصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلاة الخوف فكان ذلك أول ما صلاها. وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، راجعاً إلى المدينة فابتاع من جابر بن عبد الله في سفره ذلك جمله بأوقية وشرط له ظهره إلى المدينة وسأله عن دين أبيه وأخبره به، فاستغفر له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تلك الليلة خمساً وعشرين مرةً وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جعال بن سراقة بشيراً إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم صراراً يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم، وصرار على ثلاثة أميال من المدينة، وهي بئر جاهلة على طريق العراق، وغاب خمس عشرة ليلة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبان بن يزيد وحدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا بذات الرقاع كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معلق بشجرة فأخذه فاخترطه وقال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: أتخافني ؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني ؟ قال: الله يمنعني منك ! قال: فتهدده أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأغمد السيف وعلقه. قال: فنودي بالصلاة. قال: فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا. وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربع ركعات وللقوم ركعتان.
25
غزوة دومة الجندل
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دومة الجندل في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهراً من مهاجره. قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن بدومة الجندل جمعاً كثيراً وأنهم يظلمون من مر بهم من الضافطة وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، وهي طرف من أفواه الشأم بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلةً، فندب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة يقال له مذكور، فلما دنا منهم إذا هم مغربون، وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بساحتهم فلم يجد بها أحداً فأقام بها أياماً وبث السرايا وفرقها فرجعت ولم تصب منهم أحداً، وأخذ منهم رجل فسأله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عنهم فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه الإسلام فأسلم ورجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة ولم يلق كيداً لعشر ليال بقين من شهر ربيع الآخر. وفي هذه الغزاة وادع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين وما والاه إلى المراض، وكان ما هناك قد أخصب وبلاد عيينة قد أجدبت، وتغلمين من المراض على ميلين، والمراض على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة على طريق الربذة.
26
غزوة المريسع
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المريسيع في شعبان سنة خمس من مهاجره.
قالوا: إن بملصطلق من خزاعة، هم من حلفاء بني مدلج وكانوا ينزلون على بئر لهم يقال لها المريسيع، بينها وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن أبي ضرار فسار في قومه ومن قدر عليه من العرب فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابوه وتهيؤوا للمسير معه إليه، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأبره خبرهم فندب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس إليهم فأسرعوا الخروج وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرساً في المهاجرين منها عشرة، وفي الأنصار عشرون، وخرج معه بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلها، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة وكان معه فرسان لزاز والظرب. وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان. وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنه قد قتل عينه الذي كان وجهه ليأتيه بخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسيء بذلك الحارث ومن معه وخافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المريسيع وهو الماء فاضطرب عليه قبته، ومعه عائشة وأم سلمة، فتهيؤوا للقتال وصف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فرموا بالنبل ساعةً ثم أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، وكان ابن عمر يحدث أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أغار عليهم وهم غارون ونعمهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، والأول أثبت، وأمر بالأسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها شقران مولاه، وجمع الذرية ناحيةً واستعمل على مقسم الخمس وسهمان المسلمين محمية بن جزء، واقتسم السبي وفرق وصار في أيدي الرجال، وقسم النعم والشاء فعدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرثة في من يزيد، وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم، وكانت الإبل ألفي بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان السبي مائتي أهل بيت وصارت جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له فكاتباها على تسع أواقي ذهب فسألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في كتابتها وأداها عنها وتزوجها، وكانت جارية حلوة، ويقال: جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق، ويقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها، وكان السبي منهم من من عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بغير فداء، ومنهم من افتدي فافتديت المرأة والذرية بست فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبي فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها، وهو الثبت عندنا، وتنازع سنان بن وبر الجهني حليف بني سالم من الأنصار وجهجاه بن سعيد الغفاري على الماء فضرب جهجاه سناناً بيده فنادى سنان: يا للأنصار ! ونادى جهجاه: يا لقريش ! يا لكنانة ! فأقبلت قريش سراعاً وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح، فتكلم في ذلك ناس من المهاجرين والأنصار حتى ترك سنان حقه وعفا عنه واصطلحوا، فقال عبد الله ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؛ ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم؛ وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، قوله فأمر بالرحيل وخرج من ساعته وتبعه الناس، فقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي الناس حتى وقف لأبيه على الطريق، فلما رآه أناخ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنك الذليل ومحمد العزيز، فمر به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: دعه فلعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا ! وفي هذه الغزاة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها. قال: وأنزل الله، تبارك وتعالى، براءتها. وغاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزاته
هذه ثمانية وعشرين يوماً وقدم المدينة لهلال شهر رمضان. ثمانية وعشرين يوماً وقدم المدينة لهلال شهر رمضان.
27
غزوة الخندق
وهي غزاة الأحزاب
صلى الله عليه وسلم.
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخندق، وهي غزوة الأحزاب في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره.
قالوا: لما أجلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني النضير ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخزرج إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليماً ففارقوهم على مثل ذلك، وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية ووافتهم بنو سليم بمر الظهران، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد الأسدي، وخرجت فزارة فأوعبت، وهم ألف بعير يقودهم عيينة بن حصين، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم، وقد روى الزهري أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة، والأول أثبت أنهم قد شهدوا الخندق مع الحارث ابن عوف، وهجاه حسان بن ثابت فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب؛ فلما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصولهم من مكة ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى سفح سلع وجعل سلعاً خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ثم خندق على المدينة، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم عدوهم عليهم وعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معهم بيده لينشط المسلمين، ووكل بكل جانب منه قوماً فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل بني عبيد، وكان سائر المدينة مشبكاً بالبنيان فهي كالحصن، وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جرباً إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم، وفرغوا من حفره في ستة أيام ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام، وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين لثماني ليال مضين من ذي القعدة، وكان يحمل لواءه لواء المهاجرين زيد بن حارثة، وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة، ودس أبو سفيان ابن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويكونوا معهم عليه، فامتنعوا من ذلك ثم أجابوا إليه، وبلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل ! قال: ونجم النفاق وفشل الناس وعظم البلاء واشتد الخوف وخيف على الذراري والنساء، وكانوا كما قال الله، تبارك وتعالى: " إذْ جاؤوكُمْ منْ فَوْقكُمْ وَمنْ أسْفَلَ منْكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الأبصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجرَ " . ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون وجاه العدو لا يزولون غير أنهم يعتقبون خندقهم ويحرسونه. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة، وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة؛ فكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدوا أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوماً ويغدو خالد بن الوليد يوماً ويغدو عمرو ابن العاص يوماً ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوماً ويغدوا ضرار بن الخطاب الفهري يوماً، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرةً ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويقدمون رماتهم فيرمون؛ فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله فقال: خذها وأنا ابن العرقة ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: عرق الله وجهك في النار ! ويقال: الذي رماه أبو أسامة الجشمي؛ ثم أجمع رؤساؤهم أن يغدوا يوماً فغدوا جميعاً ومعهم رؤساء سائر
الأحزاب وطلبوا مضيقاً من الخندق يقحمون منه خيلهم إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها؛ فقيل لهم: إن معه رجلاً فارسياً أشار عليه بذلك قالوا: فمن هناك إذاً ! فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فعبر عكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبد الله وضرار ابن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد ود، فجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول:أحزاب وطلبوا مضيقاً من الخندق يقحمون منه خيلهم إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها؛ فقيل لهم: إن معه رجلاً فارسياً أشار عليه بذلك قالوا: فمن هناك إذاً ! فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فعبر عكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبد الله وضرار ابن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد ود، فجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول:
ولقد بححت من النّدا ... ء لجمعهم: هل من مبارز ؟
وهو ابن تسعين سنة، فقال علي بن أبي طالب: أنا أبارزه يا رسول الله، فأعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيفه وعممه وقال: اللهم أعنه عليه؛ ثم برز له ودنا أحدهما من صاحبه وثارت بينهما غبرة وضربه علي فقتله وكبر، فعلمنا أنه قد قتله وولى أصحابه هاربين وظفرت بهم خيولهم. وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقه باثنين، ثم اتعدوا أن يغدوا من الغد فباتا يعبئون أصحابهم وفرقوا كتائبهم ونحوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتيبة غليظةً فيها خالد بن الوليد فقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم ولا صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه ظهراً ولا عصراً ولا مغرباً ولا عشاءً حتى كشفهم الله فرجعوا متفرقين إلى منازلهم وعسكرهم وانصرف المسلمون إلى قبة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقام أسيد بن الحضير على الخندق في مائتين من المسلمين وكر خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرةً من المسلمين، فناوشوهم ساعة ومع المشركين وحشي، فزرق الطفيل بن النعمان من بني سلمة بمزراقه فقتله وانكشفوا وصار رسول الله، صلى الله عليه وسلمن إلى قبه فأمر بلالاً فأذن وأقام الظهر فصلى، ثم أقام بعد كل صلاة إقامةً إقامةً وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى، يعني العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً! ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعاً حتى انصرفوا إلا أنهم لا يدعون يبعثون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة. وحصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب، فأراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يصالح غطفان على أن يعطيهم ثلث الثمرة ويخذلوا بين الناس وينصرفوا عنه، فأبت ذلك الأنصار فترك ما كان أراد من ذلك. وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم فحسن إسلامه فمشى بين قريش وقريظة وغطفان وأبلغ هؤلاء عن هؤلاء كلاماً وهؤلاء عن هؤلاء كلاماً يري كل حزب منهم أنه ينصح له، فقبلوا قوله وخذله عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستوحش كل حزب من صاحبه، وطلبت قريظة من قريش الرهن حتى يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأبت ذلك قريش واتهموهم واعتلت قريظة عليهم بالسبت وقالوا: لا نقاتل فيه لأن قوماً منا عدواً في السبت فمسخوا قردةً وخنازير. فقال أبو سفيان بن حرب: ألا أراني أستعين بإخوة القردة والخنازير. وبعث الله الريح ليلة السبت ففعلت بالمشركين وتركت لا تقر لهم بناء ولا قدراً. وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حذيفة بن اليمان إليهم ليأتيه بخبرهم، وقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصلي تلك الليلة، فقال أبو سفيان بن حرب: يا معشر قريش إنكم لستم بدار مقام، لقد هلك الخف والحافر وأجدب الجناب وأخلفتنا بنو قريظة ولقد لقينا من الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل؛ وقام فجلس على بعيره وهو معقول، ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم فما أطلق عقله إلا بعدما قام، وجعل الناس يرحلون وأبو سفيان قائم حتى خف العسكر، فأقام عمرو بن العاص وخالد ابن الوليد في مائتي فارس ساقةً للعسكر وردءاً لهم مخافة الطلب، فرجع حذيفة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك كله وأصبح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وليس بحضرته أحد من العساكر قد انقشعوا إلى بلادهم فأذن النبي، صلى الله عليه وسلم، للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك، وكان فيمن قتل أيضاً في أيام الخندق أنس بن أوس ابن عتيك من بني عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد، وعبد الله بن سهل الأشهلي وثعلبة بن عنمة بن عدي بن نابىء قتله هبيرة بن أبي وهب، وكعب بن زيد من بني دينار قتله ضرار بن الخطاب، وقتل أيضاً من المشركين عثمان بن منبه ابن عبيد بن السباق من بني عبد الدار بن قصي، وحاصرهم المشركون خمس عشرة ليلة وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا حميد الطويل عن أنس ابن مالك قال: خرج المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداة باردة فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم إن الخير خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره، فأجابوه: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك، أن أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً، والنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم إن الخير خير الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره. وأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخبز شعير عليه إهالة سنخة فأكلوا منها وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إنما الخير خير الآخرة.
أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا عيش إلا عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق الهمداني عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب ينقل معنا التراب وقد وارى التراب بياض بطنه ويقول:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صليّنا،
فأنزلن سكينةً علينا ... وثبّت الأقدام، إن لاقينا
إنّ الأولى لقد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةّ أبينا
أبينا يرفع بها صوته، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد ابن جبير قال: كان يوم الخندق بالمدينة، قال: فجاء أبو سفيان بن حرب ومن معه من قريش ومن تبعه من كنانة، وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان، وطليحة ومن تبعه من بني أسد، وأبو الأعور ومن تبعه من بني سليم وقريظة كان بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلمن عهد فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم: وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم. فأتى جبريل، عليه السلام، ومعه الريح فقال حين رأى جبريل: ألا أبشروا، ثلاثاً، فأرسل الله عليهم الريح فهتكت القباب وكفأت القدور ودفنت الرحال وقطعت الأوتاد فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، فأنزل الله تعالى: " إذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأرْسَلْنَا عَلَيْهمْ رِيحاً وجنُوداً لم تَرَوْهَا " . فرجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بشر: وبلغني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما رجع إلى منزله غسل جانب رأسه الأيمن وبقي الأيسر، قال: فقال له، يعني جبريل، صلى الله عليه وسلم: ألا أراك تغسل رأسك فوالله ما نزلنا بعد، انهض؛ فأمر سول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن ينهضوا إلى بني قريظة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني هشام بن حسان، أخبرنا محمد بن سيرين، أخبرنا عبيدة، أخبرنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال يوم الخندق: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس.
أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي حسان عن عبيدة عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنهم لم يصلوا يوم الأحزاب العصر حتى غربت الشمس، أو قال: آبت الشمس، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: اللهم املأ بيوتهم نارً كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، أو قال: آبت الشمس، قال: فعرفنا أن صلاة الوسطى هي العصر.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد عن عاصم عن زر بن حبيش عن علي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الخندق: ما لهم ملأ الله قبورهم ناراً كما شغلونا عن صلاة الوسطى، وهي العصر.
أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري، أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عبد الله بن عوف عن أبي جمعة وقد أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عام الأحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ قالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، ما صليناها، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب.
أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن المهلب ابن أبي صفرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين حفر الخندق وخاف أن يبيته أبو سفيان فقال: إن بيتم فإن دعواكم حم لا ينصرون.
حدثنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن المهلب ابن أبي صفرة قال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم، ليلة الخندق: وإني لا أرى القوم إلا مبيتيكم الليلة، كان شعاركم حم لا ينصرون.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: قال سعيد بن المسيب: حاصر النبي، صلى الله عليه وسلم، المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة.
أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن الزهري عن أبي المسيب قال: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بضع عشرة ليلةً حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب وحتى قال النبي، صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد؛ فبينا هم على ذلك أرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى عيينة بن حصن بن بدر: أرأيت إن جعلت لكم ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب ؟ فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت. فأرسل النبي. صلى الله عليه وسلم، إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فأخبرهما بذلك فقالا: إن كنت أمرت بشيء فامض لأمر الله. قال: لو كنت أمرت بشيء ما أستأمر بكما ولكن هذا رأي أعرضه عليكما؛ قالا: فإنا نرى أن لا نعطيهم إلا السيف.
قال محمد بن حميد، قال معمر عن ابن أبي نجيح: فبينا هم على ذلك إذ جاء نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان جميعاً، فخذل بين الناس فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله: وكفى الله المؤمنين القتال.
أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي البصري، أخبرنا كثير بن زيد قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين الظهر والعصر فعرفنا البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوت الله فأعرف الإجابة.
أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى يقول: دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب على المشركين فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ! اللهم اهزمهم وزلزلهم !
27
28
غزوة بني قريظة
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره، قالوا: لما انصرف المشركون عن الخندق ورجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدخل بيت عائشة أتاه جبريل فوقف عند موضع الجنائز فقال: عذيرك من محارب ! فخرج إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فزعاً فقال: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم. فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علياً، رضي الله عنه، فدفع إليه لواءه وبعث بلالاً فنادى في الناس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرساً، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوماً أشد الحصار ورموا بالنبل فانجحروا فلم يطلع منهم أحد، فلما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إليهم بيده أنه الذبح ثم ندم فاسترجع وقال: خنت الله ورسوله ! فانصرف فارتبط في المسجد ولم يأت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أنزل الله توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمد بن مسلمة فكتفوا ونحوا ناحيةً وأخرج النساء والذرية فكانوا ناحيةً، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام وجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحجفة وخمر وجرار سكر فأهريق ذلك كله ولم يخمس، ووجدوا جمالاً نواضح وماشيةً كثيرة. وكلمت الأوس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه المواسي وتسبى النساء والذرية وتقسم الأموال، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الخميس لسبع ليال خلون من ذي الحجة ثم أمر بهم فأدخلوا المدينة وحفر لهم أخدوداً في السوق وجلس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه وأخرجوا إليه رسلاً رسلاً فضربت أعناقهم فكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة. واصطفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ريحانة بنت عمرو لنفسه وأمر بالغنائم فجمعت فأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع في من يزيد وقسمه من المسلمين، فكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهماً، للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعتق منه ويهب منه ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع ما صار إليه من الرثة.
أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا جعفر بن برقان، أخبرنا يزيد، يعني ابن الأصم، قال: لما كشف الله الأحزاب ورجع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل، عليه السلام، فقال: عفا الله عنك ! وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله، إئتنا عند حصن بني قريظة؛ فنادى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الناس أن ائتوا حصن بني قريظة، ثم اغتسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأتاهم عند الحصن.
أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، أخبرنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أن الأحزاب لما انصرفوا نادى فيهم، يعني النبي، صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة؛ فتخوف ناس فوت الصلاة فصلوا وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن فات الوقت، قال: فما عنف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واحداً من الفريقين.
أخبرنا شهاب بن عباد العبدي، أخبرنا إبراهيم بن حميد الرؤاسي عن إسماعيل بن أبي خالد عن البهي وغيره أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما أتى قريظة ركب على حمار عري والناس يمشون.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم عن حميد عن أنس بن مالك قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم موكب جبريل، عليه السلام، حين سار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بني قريظة.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة أخبرني عمي الماجشون قال: جاء جبريل، عليه السلام، إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب على فرس عليه عمامة سواء قد أرخاها بين كتفيه، على ثناياه الغبار وتحته قطيفة حمراء، فقال: أوضعت السلاح قبل أن نضعه ؟ إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: حاصر نبي الله، صلى الله عليه وسلم، بني قريظة أربع عشرة ليلة.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرن سفيان وأخبرنا عمرو بن الهيثم عن شعبة جميعاً عن عبد الملك بن عمير، أخبرنا عطية القرظي قال: كنت فيمن أخذ يوم قريظة فكانوا يقتلون من أنبت ويتركون من لم ينبت فكنت فيمن لم ينبت.
أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: كان بين النبي، صلى الله عليه وسلم، وبين قريظة ولث من عهد، فلما جاءت الأحزاب بما جاؤوا به من الجنود نقضوا العهد وظاهروا المشركين على رسول الله، صلى الله عليه وسلم بعث الله الجنود والريح فانطلقوا هاربين وبقي الآخرون في حصنهم، قال: فوضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه السلاح فجاء جبريل، صلى الله عليه وسلم، إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فخرج إليه، فنزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو متساند إلى لبان الفرس قال: يقول جبريل ما وضعنا السلاح بعد وإن الغبار لعاصب على حاجبه، انهد إلى بني قريظة؛ قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن في أصحابي جهداً فلو أنظرتهم أياماً؛ قال: يقول جبريل، عليه السلام، انهد إليهم، لأدخلن فرسي هذا عليهم في حصونهم ثم لأضعضعنها؛ قال: فأدبر جبريل، عليه السلام، ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستقبله رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله اجلس فلنكفك ! قال: وما ذاك ؟ قال: سمعتهم ينالون منك. قال: قد أوذي موسى بأكثر من هذا. قال: وانتهى إليهم فقال: يا إخوة القردة والخنازير، إياي إياي ! قال: فقال بعضهم لبعض: هذا أبو القاسم ما عهدناه فحاشاً. قال: وقد كان رمي أكحل سعد بن معاذ فرقأ الجرح وأجلب ودعا الله أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة. قال: فأخذهم من الغم في حصنهم ما أخذهم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ من بين الخلق. قال: فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم. قال حميد: قال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار. قال: فقالت الأنصار إخوتنا كنا معهم؛ فقال: إني أحببت أن يستغنوا عنكم. قال: فلما فرغ منهم وحكم فيهم بما حكم مرت عليه عنز وهو مضطجع، فأصابت الجرح بظلفها، فما رقأ حتى مات. وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببغلة وجبة من سندس فجعل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعجبون من حسن الجبة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن، يعني من هذا.
29
غزوة ( سرية) محمد بن مسلمة الي القرطاء
ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، خرج لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسعة وخمسين شهراً من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثه في ثلاثين راكباً إلى القرطاء، وهم بطن من بني بكر من كلاب وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، وبين ضرية والمدينة سبع ليال، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفراً منهم وهرب سائرهم واستاق نعماً وشاءً ولم يعرض للطعن، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما جاء به وفض على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيراً والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم.
30
غزوة بني لحيان
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني لحيان، وكانوا بناحية عسفان، في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره. قالوا: وجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على عاصم بن ثابت وأصحابه وجداً شديداً، فأظهر أنه يريد الشأم وعسكر لغرة هلال شهر ربيع الأول في مائتي رجل ومعهم عشرون فرساً، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران، وبينها وبين عسفان خمسة أميال حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أحداً، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة وهو يقول: آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ! وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.
أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج في غزوة بني لحيان وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب منهم غرة، فخرج من المدينة فسلك على غراب ثم على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار، فخرج على بيبن ثم على صخيرات الثمام ثم استقام به الطريق على السيالة فأغذ السير سريعاً حتى نزل على غران، هكذا قال ابن إدريس، وهي منازل بني لحيان، فوجدهم قد تمنعوا في رؤوس الجبال، فلما أخطأه من عدوه ما أراد قالوا: لو أنا هبطنا عسفان فنري أهل مكة أنا قد جئناها، فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح قافلاً؛ فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: تائبون آئبون، إن شاء الله، حامدون لربنا عابدون ! أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال.
أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سعيد مولى المهدي عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثاً إلى بني لحيان من هذيل وقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول أول ما غزا عسفان ثم رجع: آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون !
31
غزوة الغابة
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الغابة وهي على بريد من المدينة طريق الشأم في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره.
قالوا: كانت لقاح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهي عشرون لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارساً فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنادى: الفزع الفزع ! فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعاً فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهراً سيفه، فعقد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لواء في رمحه وقال: امض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك. واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال المقداد: فخرجت فأدركت أخريات العدو وقد قتل أبو قتادة مسعدة فأعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرسه وسلاحه، وقتل عكاشة بن محصن أثار بن عمرو بن أثار، وقتل المقداد بن عمرو حبيب ابن عيينة بن حصن وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، وقتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول: خذها!
وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرّضع !
حتى انتهى بهم إلى ذي قرد، وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ. قال سلمة: فلحقنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والناس والخيول عشاءً فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ملكت فأسجح، ثم قال: إنهم الآن ليقرون في غطفان. وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذي قرد فاستنقذوا عشر لقائح وأفلت القوم بما بقي وهي عشر، وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذي قرد صلاة الخوف وأقام به يوماً وليلة يتحسس الخبر، وقسم في كل مائة من أصحابه جزوراً ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال سبعمائة، وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر وبعشر جزائر فوافت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذي قرد، والثبت عندنا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر على هذه السرية سعد بن زيد الأشهلي، ولكن الناس نسبوها إلى المقداد لقول حسان بن ثابت:
غداة فواس المقداد
فعاتبه سعد بن زيد فقال: اضطرني الروي إلى المقداد. ورجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليال.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار العجلي، أخبرنا إياس ابن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: خرجت أنا ورباح غلام النبي، صلى الله عليه وسلم، بظهر النبي، صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أنديه مع الإبل، فلما أن كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قد أغير على سرحه. قال: وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه ! ثم اتبعت القوم ومعي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت، فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به، فجلت أرميهم وأقول:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع !
فألحق برجل فأرميه وهو على رحله فيقع سهمي في الرجل حتى انتظمت كبده فقلت: وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع ! فإذا كنت في الشجرة أحدقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئاً من ظهر النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا خلفته وراء ظهري واستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحاً وأكثر من ثلاثين بردةً يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئاً إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مدداً لهم، وهم في ثنية ضيقة، ثم علوت الجبل فأنا فوقهم. قال عيينة: ما هذا الذي أرى ؟ قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلباً لقد ترككم، ثم قال: ليقم إليه نفر منكم؛ فقام إلي نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت لهم: أتعرفونني ؟ قالوا: ومن أنت ؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني ! فقال رجل منهم: إن ذا ظن. قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى أثر أبي قتادة المقداد، فولى المشركون مدبرين وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم فآخذ عنان فرسه قلت: يا أخرم انذر القوم ! يعني احذرهم، فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ! فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن، فطعنه عبد الرحمن فقتله، فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، شيئاً ويعرضون إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي دبر وغربت الشمس فألحق رجلاً فأرميه فقلت: خذها !
وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع !
فقال: يا ثكل أمي ! أأكوعي بكرة ؟ قال: قلت نعم يا عدو نفسه ! فكان الذي رميته بكرة فاتبعته بسهم آخر فعلق فيه سهمان ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي حلأتهم عنه ذو قرد، فإذا نبي الله في خمسمائة، وإذا بلال قد نحر جزوراً مما خلفت فهو يشوي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته؛ قال: أكنت فاعلاً ذلك يا سلمة ؟ قلت: نعم، والذي أكرمك ! فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى رأيت نواجذه في ضوء النار ثم قال: إنهم الآن يقرون بأرض بني غطفان، فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزوراً، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرةً فتركوها وخرجوا هراباً، فلما أصبحنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا اليوم سلمة، فأعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سهم الراجل والفارس ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بيننا وبينها قريباً من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي: هل من مسابق ؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مراراً وأنا وراء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مردفي فقلت له: ما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً ؟ قال: لا إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل ! فقال: إن شئت؛ فقلت: اذهب إليك. فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عليه شرفاً أو شرفتين يعني استبقيت نفسي ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي. قلت: سبقتك والله إلى فوزه أو كلمة نحوها، قال: فضحك وقال: إني إن أظن حتى قدمنا المدينة.
32
سرية عكاشة بن محصن الازدي
ثم سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر غمر مرزوق، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد طريق الأول إلى المدينة، وكانت في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلاً فخرج سريعاً يغذ السير ونذر به القوم فهربوا فنزلوا علياء بلادهم ووجدوا دارهم خلوفاً، فبعث شجاع بن وهب طليعةً فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربيئةً لهم، فأمنوه فدلهم على نعم لبني عم له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتي بعير فأرسلوا الرجل وحدروا النعم إلى المدينة وقدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يلقوا كيداً.
33
سرية محمد بن مسلمة
ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة
في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة وهم بذي القصة، وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً طريق الربذة في عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلاً فأحدق به القوم، وهم مائة رجل، فتراموا ساعةً من الليل ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة رجل من المسلمين فحمله حتى ورد به المدينة، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلاً إلى مصارع القوم فلم يجدوا أحداً ووجدوا نعماً وشاءً فساقه ورجع.
34
سرية ابي عبيدة بن الجراح الي ذي القصة
ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار، ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين والمراض على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة، فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وهو يرعى بهيفا موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلاً من المسلمين حين صلوا المغرب، فمشوا إليهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصاب رجلاً واحداً فأسلم وتركه، فأخذ نعماً من نعمهم فاستاقه ورثةً من متاعهم وقدم بذلك المدينة فخمسه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقسم ما بقي عليهم.
35
ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة إلى بني سليم فسار حتى ورد الجموم ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأصابوا عليه امرأةً من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم عن محله من محال بني سليم فأصابوا في تلك المحلة نعماً وشاءً وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للمزنية نفسها وزوجها فقال بلال بن الحارث في ذلك شعراً:
لعمرك ! ما أخنى المسول ولا ونت ... حليمة حتى راح ركبهما معا
36
ثم سرية زيد بن حارثة إلى العيص،
وبينها وبين المدينة أربع ليال،
وبينها وبين ذي المروة ليلة،
في جمادى الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عيراً لقريش قد أقبلت من الشأم فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا ناساً ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الفجر: إني قد أجرت أبا العاص ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: وما علمت بشيء من هذا وقد أجرنا من أجرت، ورد عليه ما أخذ منه.
37
سرية زيد بن حارثة الي الطرف
ثم سرية زيد بن حارثة إلى الطرف
في جمادى الآخرة سن ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة إلى الطرف، وهو ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة طريق البقرة على المحجة، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً فأصاب نعماً وشاءً وهربت الأعراب وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيراً، ولم يلق كيداً وغاب أربع ليال وكان شعارهم: أمت أمت !
38
سرية زيد بن حارثة الي حسمي
ثم سرية زيد بن حارثة إلى حسمى
وهي وراء وادي القرى
في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
قالوا: أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر وقد أجاره وكساه، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بحسمى، فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على النبية، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان، فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدفع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتابه الذي كان كتب له ولقومه ليالي قدم عليه، فأسلم وقال: يا رسول الله لا تحرم علينا حلالاً ولا تحل لنا حراماً؛ فقال: كيف أصنع بالقتلى ؟ قال أبو يزيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حياً ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: صدق أبو يزيد ! فبعث معهم علياً، رضي الله عنه، إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فتوجه علي فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علي على القوم، ولقي زيداً بالفحلتين، وهي بين المدينة وذي المروة، فأبلغه أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرد إلى الناس كل ما كان أخذ لهم.
39
ثم سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى
في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيداً أميراً سنة ست.
40
ثم سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن بن عوف فأقعده بين يديه وعممه بيده وقال: اغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله ! لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليداً ! وبعثه إلى كلب بدومة الجندل وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام من أقام على إعطاء الجزية وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها إلى المدينة، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
41
ثم سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك
في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن لهم جمعاً يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فبعث إليهم علي بن أبي طالب في مائة رجل، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج، وهو ماء بين خيبر وفدك، وبين فدك والمدينة ست ليال، فوجدوا به رجلاً فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني، فآمنوه فدلهم، فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم فعزل علي صفي النبي، صلى الله عليه وسلم، لقوحاً تدعى الحفذة ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم المدينة ولم يلق كيداً.
سرية زيد بن حارثة إلى أُم قرفة بوادي القرى
ثم سرية زيد بن حارثة إلى أُم قرفة بناحية بوادي القرى، على سبع ليال من المدينة؛ في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشأم ومعه بضائع لأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم. فلما كان دون وادي القرى لقيه ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم، ثم استبل زيد وقدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إليهم فكمنوا النهار وساروا الليل، ونذرت بهم بنو بدر ثم صبحهم زيد وأصحابه فكبروا وأحاطوا بالحاضر وأخذوا أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر، فكان الذي أخذ الجارية مسلمة بن الأكوع فوهبها لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوهبها رسول الله بعد ذلك لحزن بن أبي وهب، وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة، وهي عجوز كبيرة، فقتلها قتلاً عنيفاً: ربط بين رجليها حبلاً ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها، وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقام إليه عرياناً يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسايله فأخبر بما ظفره الله به.
42
سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع
ثم سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري بخيبر
في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
قالوا: كان أبو رافع بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم الحفل العظيم لحرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبا قتادة والأسود بن خزاعي ومسعود بن سنان وأمرهم بقتله، فذهبوا إلى خيبر فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجةً وله قدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه كأنه قبطية فعلوه بأسيافهم؛ قال ابن أنيس: وكنت رجلاً أعشى لا أبصر فأتكىء بسيفي على بطنه حتى سمعت خشه في الفراش وعرفت أنه قد قضى، وجعل القوم يضربونه جميعاً، ثم نزلوا وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار واختبأ القوم في بعض مناهر خيبر، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران فلم يروهم، فرجعوا ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة كلهم يدعي قتله، فقدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: أفلحت الوجوه ! فقالوا: أفلح وجهك يا رسول الله ! وأخبروه خبرهم فأخذ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر الطعام في ذباب سيف عبد الله بن أنيس، فقال: هذا قتله !
43
ثم سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير زارم اليهودي بخيبر في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: لما قتل أبو رافع سالم بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن زارم فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سراً فسأل عن خبره وغرته فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فندب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس فانتدب له ثلاثون رجلاً، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له ؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك ؟ وقالوا: نعم؛ فقلنا: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك؛ فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلاً من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كنا بقرقرة ثبار ندم أسير فقال عبد الله بن أنيس، وكان في السرية: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري وقلت: غدراً أي عدو الله ! فعل ذلك مرتين، فنزلت فسقت بالقوم حتى انفد لي أسير فضربته بالسيف فأندرت عامة فخذه وساقه وسقط عن بعيره وبيده مخرش من شوحط فضربني فشجني مأمومةً، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شداً، ولم يصب من المسلمين أحد، ثم أقبلنا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحدثناه الحديث فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين !
44
ثم سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين
في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: قدم نفر من عرينة ثمانية على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلموا واستوبأ والمدينة، فأمر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى لقاحه وكانت ترعى بذي الجدر ناحية قباء قريباً من عير، على ستة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا فغدوا على اللقاح فاستاقوها فيدركهم يسار مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وبلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارساً واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فأدركوهم فأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالغابة فخرجوا بهم نحوه فلقوه بالزغابة بمجتمع السيول، وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فصلبوا هناك وأنزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إنّما جَزَاءُ الّذيِنَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَاداً " الآية فلم يسمل بعد ذلك عيناً. وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة غزاراً فردوها إلى المدينة ففقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منها لقحةً تدعى الحناء، فسأل عنها فقيل: نحروها.
45
ثم سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم بن حريس إلى أبي سفيان بن حرب بمكة،
وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتال محمداً فإنه يمشي في الأسواق؟ فأتاه رجل من الأعراب فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلباً وأشده بطشاً وأسرعه شداً، فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر فأسوره ثم آخذ في عير وأسبق القوم عدواً فإني هاد بالطريق خريت ! قال: أنت صاحبنا. فأعطاه بعيراً ونفقة وقال: اطو أمرك، فخرج ليلاً فسار على راحلته خمساً وصبح ظهر الحرة صبح سادسة ثم أقبل يسأل عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى دل عليه؛ فعقل راحلته ثم اقبل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في مسجد بني عبد الأشهل، فلما رآه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذا ليريد غدراً ! فذهب ليجني على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره فإذا الخنجر فسقط في يديه وقال: دمي ! دمي ! فأخذ أسيد بلبته فذعته، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اصدقني ما أنت ؟ قال: وأنا آمن ؟ قال: نعم ! فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان، فخلى عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلم وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن أمية وسلمة بن اسلم إلى أبي سفيان بن حرب وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه ! فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلاً فرآه معاوية بن أبي سفيان فعرفه، فأخبر قريشاً بمكانه فخافوه وطلبوه، وكان فاتكاً في الجاهلية، وقالوا: لم يأت عمر لخير؛ فحشد له أهل مكة وتجمعوا وهرب عمرو وسلمة، فلقي عمرو عبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي فقتله، وقتل آخر من بني الديل سمعه يتغنى ويقول:
ولست بمسلمٍ ما دمت حيّا ! ... ولست أدين دين المسلمينا !
ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسبان الخبر فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم به المدينة، فجعل عمرو يخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خبره ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يضحك.
46
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحديبية. خرج للعمرة في ذي القعدة سنة ست من مهاجره. قالوا: استنفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه إلى العمرة فأسرعوا وتهيأوا ودخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيته فاغتسل ولبس ثوبين وركب راحلته القصواء وخرج، وذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، واستخل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ولم يخرج معه بسلاح إلا السيوف في القرب وساق بدناً وساق أصحابه أيضاً بدناً، فصلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بالبدن التي ساق فجللت ثم أشعرها في الشق الأيمن وقلدها وأشعر أصحابه أيضاً وهن موجهات إلى القبلة، وهي سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل الذي غنمه يوم بدر، وأحرم ولبى وقدم عباد بن بشر أمامه طليعةً في عشرين فرساً من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج مع من المسلمين ألف وستمئة، ويقال ألف وأربعمئة. ويقال ألف وخمسمئة وعشرون رجلاً، وأخرج معه زوجته أم سلمة، رضي الله عنها، وبلغ المشركين خروجه فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام وعسكروا ببلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، وعليهم خالد بن الوليد، ويقال عكرمة بن أبي جهل، ودخل بسر بن سفيان الخزاعي مكة فسمع كلامهم وعرف رأيهم فرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلقيه بغدير الأشطاط وراء عسفان فأخبره بذلك. ودنا خالد ابن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عباد بن بشر فتقدم في خيله فأقام بإزائه وصف أصحابه وحانت صلاة الظهر وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأصحابه صلاة الخوف؛ فلما أمسى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: تيامنوا في هذا العصل فإن عيون قريش بمر الظهران وبضجنان؛ فسار حتى دنا من الحديبية، وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، فوقعت يدا راحلته على ثنة تهبطه على غائط القوم فبركت؛ فقال المسلمون: حل حل ! يزجرونها، فأبت أن تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إنها ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني اليوم خطةً فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فقامت فولى راجعاً عوده على بدئه حتى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبية ظنون قليل الماء، فانتزع سهماً من كنانته فأمر به فغرز فيها فجاشت لهم بالرواء حتى اغترفوا بآنيتهم جلوساً على شفير البئر. ومطر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية مراراً وكرت المياه. وجاءه بديل بن ورقاء وركب من خزاعة فسلموا عليه، وقال بديل: جئناك من عند قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم معهم العوذ والمطافيل والنساء والصبيان يقسمون بالله لا يخلون بينك وبني البيت حتى تبيد خضراؤهم؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ! فرجع بديل فأخبر بذلك قريشاً فبعثوا عروة ابن مسعود الثقفي فكلمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنحو مما كلم به بديلاً فانصرف إلى قريش فأخبرهم، فقالوا: نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت. ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف فكلمه بنحو مما كلم به صاحبيه فرجع إلى قريش فأخبرهم، فبعثوا الحليس بن علقمة، وهو يومئذ سيد الأحابيش وكان يتأله، فلما رأى الهدي عليه القلائد قد أكل أوباره من طول الحبس رجع ولم يصل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إعظاماً لما رأى، فقال لقريش: والله لتخلن بينه وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش ! قالوا: فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. وكان أول من بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى قريش خراش بن أمية الكعبي ليخبرهم ما جاء له، فعقروا به وأرادوا قتله فمنعه من هناك من قومه، فأرسل عثمان بن عفان فقال: اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زواراً لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم فقالوا: لا كان هذا أبداً ولا يدخلها علينا العام ! وبلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عثمان قد قتل، فذلك حيث دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وبايع لعثمان، رضي الله عنه، فضرب بشماله على يمينه لعثمان، رضي الله عنه، وقال:
إنه ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. وجعلت الرسل تختلف بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش فأجمعوا على الصلح والموادعة فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة من رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةً مكفوفةً، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحبه ويدخل علينا قابلاً في أصحابه فيقيم بها ثلاثاً، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وحويطب ابن عبد العزى ومكز بن حفص بن الأخيف. وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو. وخرج أبو جندل بن سهيل بن عمرو من مكة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرسف في الحديد فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فرده إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا جندل، قد تم الصلح بيننا وبين القوم، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً. ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها؛ فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هديه وحلق حلقه خراش بن أمية الكعبي ونحر أصحابه وحلق عامتهم وقصر الآخرون. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين ! قالها ثلاثاً ! قيل: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: والمقصرين. وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية بضعة عشر يوماً، ويقال عشرين يوماً، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا بضجنان نزل عليه: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ فقال جبريل، عليه السلام: يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون. ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. وجعلت الرسل تختلف بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش فأجمعوا على الصلح والموادعة فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة من رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةً مكفوفةً، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحبه ويدخل علينا قابلاً في أصحابه فيقيم بها ثلاثاً، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وحويطب ابن عبد العزى ومكز بن حفص بن الأخيف. وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو. وخرج أبو جندل بن سهيل بن عمرو من مكة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرسف في الحديد فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فرده إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا جندل، قد تم الصلح بيننا وبين القوم، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً. ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها؛ فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هديه وحلق حلقه خراش بن أمية الكعبي ونحر أصحابه وحلق عامتهم وقصر الآخرون. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين ! قالها ثلاثاً ! قيل: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: والمقصرين. وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية بضعة عشر يوماً، ويقال عشرين يوماً، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا بضجنان نزل عليه: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ فقال جبريل، عليه السلام: يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة.
أخبرنا سليمان بن داود أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة، أخبرني عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان قد شهد بيعة الرضوان قال: كنا يومئذ ألفاً وثلاثمائة وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين.
أخبرنا سليمان بن داود الطيالسي قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله: كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال: كنا ألفاً وخمسمئة، وذكر عطشاً أصابهم قال: فأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بماء في تور فوضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنها العيون. قال: فشربنا ووسعنا وكفانا. قال: قلت كم كنتم ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا ! كنا ألفاً وخمسمئة ! وأخبرنا موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي، أخبرنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاةً ما ترويها، قال: فقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جباها فإما دعا وإما بزق، قال: فجاشت، قال: فسقينا واستقينا.
أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن طارق قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد ؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان؛ فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال: حدثني أبي أنه كان في من بايع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إن كان أصحابنا محمد لم يعلموها وعملتموها أنتم فأنتم أعلم.
أخبرنا قبيصة بن عقبة ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن طارق بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن المسيب فتذاكروا الشجرة فضحك ثم قال: حدثني أبي أنه كان ذلك العام معهم وأنه قد شهدها فنسوها من العام المقبل.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن زياد بن الجصاص عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال عبد الوهاب: وأخبرني سعيد عن قتادة عن عبد الله بن مغفل قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة يبايع الناس وأبي رافع أغصانها عن رأسه.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب وأحمد بن إسحاق الحضرمي قالا: أخبرنا يزيد بن بزيع عن خالد الحذاء عن الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار قال: كنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية وكان يبايع الناس وأنا أرفع بيدي غصناً من أغصان الشجرة عن رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبايعهم على أن لا يفروا ولم يبايعهم على الموت، فقلنا لمعقل: كم كنتم يومئذ ؟ قال: ألفاً وأربعمائة رجل.
أخبرنا المعلى بن أسد، أخبرنا وهيب عن خالد الحذاء عن الحكم ابن الأعرج عن معقل بن يسار: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يبايع الناس عام الحديبية تحت الشجرة ومعقل بن يسار رافع غصناً من أغصان الشجرة بيده عن رأسه، فبايعهم يومئذ على أن لا يفروا، قال: قلنا كم كنتم ؟ قال: ألفاً وأربعمائة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا عبد الله بن عون عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها؛ قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.
أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: إن أول من بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي.
قال محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا وهل، أبو سنان الأسدي قتل في حصار بني قريظة قبل الحديبية، والذي بايعه يوم الحديبية سنان بن سنان الأسدي.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية ؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه تحت الشجرة، وهي سمرة، وعمر آخذ بيده غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره، وسألته: كيف بايعوه ؟ قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت، وسألته: هل بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بذي الحليفة ؟ فقال: لا ولكن صلى بها ولم يبايع عند الشجرة إلا الشجرة التي بالحديبية، ودعا النبي، صلى الله عليه وسلم، على بئر الحديبية وأنهم نحروا سبعين بدنة، بين كل سبعة منهم بدنة.
قال جابر: وأخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول عند حفصة: لا يدخل النار، إن شاء الله، أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها. قالت حفصة: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: قال الله: " ثُمّ نُنَجّي الّذينَ اتّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً " .
وأخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: صالح النبي، صلى الله عليه وسلم، المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين يرد إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم، وعلى أن يدخلها من قابل فيقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه، فجاء أبو جندل يحجل في قيده فرده إليهم.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: لما كتب النبي، صلى الله عليه وسلم، الكتاب الذي بينه وبين أهل مكة يوم الحديبية قال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم؛ قالوا: أما الله فنعرفه وأما الرحمن الرحيم فلا نعرفه؛ قال: فكتبوا باسمك اللهم؛ قال: وكتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أسفل الكتاب: ولنا عليكم مثل الذي لكم علينا.
أخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لقد صالح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئاً لو أن نبي الله أمر على أميراً فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت له ولا أطعت، وكان الذي جعل لهم أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردوه ومن لحق بالكفار لم يردوه.
أخبرنا أبو سهل نصر بن باب عن الحجاج عن أبي إسحاق عن البراء ابن عازب أنه قال: اشترط أهل مكة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الحديبية ألا يدخل أحد من أصحابه مكة بسلاح إلا سلاحاً في قراب.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: اشترط المشركون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية ألا يدخلها بسلاح، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إلا جلبان السلاح؛ قال: وهو القراب وما فيه السيف والقوس.
وأخبرنا محمد بن حميد العبدي عم معمر عن قتادة قال: لما كان سفر الحديبية صد المشركون النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه عن البيت فقاضوا المشركين يومئذ قضية أن لهم أن يعتمروا العام المقبل في هذا الشهر الذي صدوهم فيه، فجعل الله شهراً حراماً يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا فيه، فذلك قوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أبا سفيان بن حرب قال: حين قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة عام الحديبية كان بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد أن لا يلج علينا بسلاح ولا يقيم بمكة إلا ثلاث ليال، ومن خرج منا إليكم رددتموه علينا ومن أتانا منكم رددناه إليكم.
أخبرنا أبو معاوية الضرير ومحمد بن عبيد قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: نجر النبي، صلى الله عليه وسلم، سبعين بدنةً عام الحديبية، البدنة عن سبعة، وزاد محمد بن عبيد في حديثه: وكنا يومئذ ألفاً وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى.
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل، وكان في بدنه جمل أبي جهل فنزل بالحديبية فصالحته قريش على أن هذا الهدي محله حيث حبسناه.
أخبرنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن عبد الله قال: نحر أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعة سبعة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر بن سليمان ابن قيس عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، وقال لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليشترك منكم النفر الهدي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، عن كل سبعة بدنةً.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، خرج يوم الحديبية فرأى رجالاً من أصحابه قد قصروا فقال: يغفر الله للمحلقين؛ قالوا: يا رسول الله وللمقصرين ؟ قال ذلك ثلاثاً وأجابوه بمثل ذلك، فقال عند الرابعة: وللمقصرين.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى أصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان بن عفان وأبي قتادة الأنصاري، فاستغفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب. أخبرنا أوس بن عبيد الله النصري، أخبرنا بريد بن أبي مريم عن أبيه مالك بن ربيعة: أنه سمع النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم اغفر للمحلقين؛ فقال رجل: وللمقصرين ؟ فقال في الثالثة أو في الرابعة: وللمقصرين قال: وأنا محلوق يومئذ فما سرني حمر النعم أو خطر عظيم.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع بن يعقوب عن أبيه أنه قال: لما صدر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وحلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله ريحاً عاصفاً فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم.
حدثنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن ليث عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ قال: نزلت عام الحديبية.
أخبرنا الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ إنا قضينا لك قضاء مبيناً، فنحر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية وحلق رأسه.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شعبة عن قتادة سمعت أنس ابن مالك يقول: نزلت هذه الآية حين رجع النبي، صلى الله عليه وسلم، من الحديبية: " إنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبيناً ليَغْفرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ منْ ذَنْبكَ وَمَا تَأخّرَ " .
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري عن داود عن الشعبي قال: الهجرة ما بين الحديبية إلى الفتح والحديبية هي الفتح.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب، أخبرنا مجمد بن يعقوب، حدثني أبي عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن مجمع بن جارية قال: شهدت الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يوجفون الأباعر، قال: فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس ؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واقفاً عند كراع الغميم، فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: " إنّا فَتَحنَا لكَ فَتحاً مُبيناً " ؛ قال: قال رجل من أصحاب محمد يا رسول الله أو فتح هو ؟ قال: إي والذي نفسي بيده إنه لفتح ! قال: ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية على ثمانية عشر سهماً وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وكان للفارس سهمان.
أخبرنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: قال البراء: أما نحن فنسمي الذين يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان.
أخبرنا علي بن محمد عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة واختلفوا فيها؛ قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.
أخبرنا عبد الله بن الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا خالد الحذاء، أخبرني أبو المليح عن أبيه قال: أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل أسافل نعالنا فنادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن صلوا في رحالكم.
47

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق